القربة المقطوعة

عبدالحميد جمو 

كثيرا ما أسمع جملة يعتبرونها حكمة تقال، بمناسبة  وبلا مناسبة ” كالنفخ في القربة المقطوعة ”  كنت أفسرها على أنها تقال
للذي لا ينفع معه النصح، واستمرت قناعتي تلك إلى أن شاب شعري وتقوس ظهري، وتبدلت ملامحي، حيث حفر الزمن علاماته على وجهي، وهذه العلامات إن بدت على شخص ارتبط اسمه بالحكمة ويصبح مرجعا تستعين به الأجيال لشرح وتحليل الأقاويل والحكم التي تقال في خضم الأحاديث. 
استمرت قناعتي بتلك الحكمة كغيرها مما أفسره في كثير من الأحيان في الجلسات أو حينما يسألني شخص ما  وأنا متباه معجب برجاحة عقلي الهرم،  إلى أن جاء يوم سألني فيه طفل لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره عن المقصود ب (القربة المقطوعة) ، فأصلحت من جلستي ونفشت صدري كالطاووس، وقلت بنبرة ثقة فيها الكثير من الاستعلاء: إن لم يكن أمثالنا في الحياة  فمن أين لكم أن تعرفو معاني هذه الحكم( القربة يابني هي أداة مصنوعة من جلد الماعز تستخدم لفصل الدسم من الحليب أو اللبن)
فقال بسخرية: إن كان ما تقوله صحيحا  فإذا لما النفخ فيها، إذ من المفترض إنها لصناعة الزبدة،  ويجب أن تكون هذه المادة الحساسة بعيدة عن زفرات الإنسان التي تحمل بعضا من الغازات الضارة؟.
توقفت لبرهة أفكر فيما قاله ومع تفكيري انحنت استقامة ظهري ثانية، وخفص صدري وراحت عيناي اللتان بالكاد أرى بهما تتهربان من نظراته الشامته،  تأتأت قليلا، تصعنت الهذيان. لم أرد التنازل عن كبريائي ووقاري، وصرت أثرثر، وأذكر له بعض الأمثلة و التفسيرات الوهمية.إذ علي أن اقنعه و أحافظ على ماء وجهي، إلا إنه كان يرفع حاجبيه ويقهقه ساخرا ويقول : لا يا جدي صحح معلوماتك، يبدو أن السنين أثرت على ذاكرتك، أ لا تشاهد الأجهزة المرئية، أ لا تتابع النيت، أعلم أنك كنت تمارس العمل السياسي فأ لا تتابع أخبار رجالات السياسة؟ كانت لفظتا السياسة والسياسين كافيتن لصعق ذاكرتي الضعيفة و إنعاشها ، غادر ذلك الرجل الطفل وهو يلتفت صوبي. ينظر الي. ويضحك. إلى أن توارى، أخذتي رعشة قوية، احمرت وجنتاي خجلا ولكني لم أنس كلمة السياسي فقررت البحث عن المعنى الحقيقي لذلك المثل.
لم أكترث بالأصفهاني ولم أرجع لقصائد ابن سلمى ولم أبحث في التراث الكوردي عن أصل الأمثال و لا بحثت في أدبيات الهند والصين،
بل قررت أن أبحث عن أصل المثل في النظام الداخلي للأحزاب وبيانات السياسيين وخطاباتهم،
جمعت ما يقارب ال 150 كتيبات. كلها تحمل العنوان ذاته: “النظام الداخلي” وأكثرها مذيل في نهاية تسمياتها ب الديمقراطي.
عكفت على قراءتها والخوض في فحواها، فوجدت فيها مثالية تضاهي الشرائع السماوية بما تحملها من قيم الأخلاق والتسامح، راجعت بعض البيانات. الخطابات فأخذني الحماس وهممت أن أحمل سلاحي، و أقف على أبواب السياسيين أحميهم من المتربصين، متناسيا ما أبلغ من السنين ، تلك الهمة التي انتابتني. أعادت ذاكرتي لأيام شبابي حينما كنا ندافع عن مبادئنا ونضحي من أجلها، بما نملك، وكان من نسميهم قادة يختبئون في الجحور بعد إلقاء خطاباتهم ويتركوننا لمصيرنا ، كانو وقتها كان( السياسيون) يستغلوننا أبشع استغلال. يلعبون بمشاعرنا ويشحذون هممنا، ويوغرون صدورنا على الذين كانوا بالأمس رفاقنا، و انشقوا اليوم، و تكورو في كيان جديد لكنهم للأمانة؟؟!!! ظلو أوفياء لمنبعهم مخلصين لنهجهم بعد كسبهم صفة
 (زك تير) وقرروا أن يدخلوا في مفاوضات لتشكيل وحدة حزبية!!
أصابني الاشمئزاز طويت صفحتهم واتجهت لقراءة نتاجات المثقفين الذين لطالما أناروا لنا الدروب بأفكارهم، وكم كانت صدمتي كبيرة حينما اطلعت على سفسفاتهم. كم هي خاوية من معاني الثقافة والأدب، كتاباتهم جلها مسروقة لا تحمل الصفة الأدبية وليس فيها أية فكرة سوى تمجيد لأصنام مصنوعة من حجر،
أعياني ما قرأت وتحسر ت على زمان كان فيه السياسي معطاء، والمقاتل مقداما بطلا، والكاتب اديبا، والشاعر حكيما.
حينها فقط فهمت قصد الطفل الحكيم وعلمت أن القربة هي تلك الآلة التي تصدر أعذب الأنغام عندما تكون سليمة، وحين نثقبها تصدر أصوات نشاز أشبه بخوار البقر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…