المراة في فكر الشيخ الشهيد العلامة محمد معشوق الخزنوي

    د.ميديا محمود

لقد عهدنا في الشهيد الشيخ محمد معشوق الخزنوي رجل دين اسلامي معتدل , علماني منفتح على الثقافات المختلفة .يملك مفاتيح الحوار مع الأخر .

وعهدنا الاسلام عند الشيخ دينا مدنيا يحمل رسالة انسانية , يسير قدما مع ركب الحضارة , دينا علمانيا , ديناميكيا ,  تجديديا .بعيدا عن الجمود و التحجر الفقهي ,يُعنى بتطوير مناحي الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية كافةً .

و لان المراة , هي حجر الزاوية , في اي تغيير يطال البنى الاجتماعية و لانها اكثر من عانى من تبعات حالة الركود الفقهي.

كان للشيخ وقفة طويلة  , مع كل ما  يتعلق بشأن المرأة في الدين .

و كان له صولات و جولات من الصراع المرير, مع القيود الثقيلة الوطاة , التي فرضها حراس الماضي , على حياة المرأة .
لقد انصف الشيخ المراة الكردية , حينما قال في لقاء له , مع مكتبة جارجرا للثقافة الكردية 🙁 ان المراة هي جزءاساسي من الحياة , و بتصوري ان المرأة الكردية , ليست مستنكفة او متقاعسة , عن واجبها في نهضة الامة ) .

يضيف الشيخ :  ان المجتمع الكردي , قبل خمسين سنة , لم يكن يحجب نسائه , او يعزلهن , بل  كانت المراة شريكا للرجل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

ولكن ما حدث  في  النصف الاخير من القرن المنصرم ان المراة تخلفت عن ركب التطور بسبب حرمانها من فرص التعلم  لذلك يجب  تمكين المراة الكردية  باتاحة الفرص لها للتعلم والانخراط في كافة مجالات النشاط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
فللمرأة، كما يرى الشيخ، الحقوق السياسية كافة , في ظل الالتزام بقيم الإسلام وآدابه، كالرجل سواءً بسواء، ولها الحق في ممارسة دورها في خدمة المجتمع، ولها حق التعلم وممارسة الزراعة والتجارة والصناعة والسياسة والرئاسة وكل المهن المشروعة ,  التي لا تناقض طبيعتها الفيزيولوجية.

ولها الحق , في تنمية أموالها بنفسها  , وبالطريقة التي تشاء من دون وصاية من أحد عليها.
و هكذا نجد ,  ان نظرة الشيخ للمراة تتبلور , على انها شقيقة الرجل، بمعنى أنها تتمتع بكل المزايا والصلاحيات، لا فارق بينها وبين الرجال إلا اذا  ما جاء نص صحيح ثابت من الكتاب والسنّة قطعي الدلالة بخلاف ذلك (أي بتمييز أحد الجنسين عن الآخر لعلل محددة تتغير فيتغير الحكم بتغيرها) ، وذلك فقط في حدود ما أمر به النص الشرعي من غير أقيسة فاسدة ، أو خيالات مريضة شاطحة، أو إسقاطات نفسية متشنجة.
يرى الشيخ  ان الدعوة  , الى تحرر المراة تراجعت نسبيا عما  كانت عليه ابان حركة التطوير والنهضة االتي تبناها الشيخ محمد عبده .و ذلك  ان التيار الديني  , لم يعد يرى ان تحرر المراة مطلب اسلامي .

بل صارت الصيغة السائدة ان المراة في الاسلام لا تعاني ,  من اي مشكلة .

وان الاسلام منح المراة كل ما يمكن ان تبتغية .و هي بالف خير اذا التزمت الحشمة التي اعتمدها الفقهاء وان كل مطالبة بتحررها ما هو الا تمرد ,  على الموروث الديني ,  وغزو فكري خبيث يراد به اجتثات المرأة واغوائها .

والمشكلة تكمن في ان القفهاء اعتمدوا الاحكام التوافقية ,  لصياغة شكل المراة واسلوب تعاملها مع المجتمع , و الاحكام التوافقية خلافا للاحكام التوفيقية لم ترد بها النصوص , على سبيل المطالبة بافعل ولا تفعل .

بل وردت النصوص  بها على سبيل حكاية توافقية .

و هذه تتبدل بتبدل الحال ,  ولا تعتبر احكاما شرعية لكونها وردت توافقا ,  ومثل هذه الاحكام تقارب نسبة الثمانين بالمائة من الاحكام الشرعية .
هذه الاحكام هي التي كبلت المسلمين ,  ومنعتهم من تطوير حياتهم , لانها فرضت عليهم صياغة حياتهم وفق قالب ما قبل اربعة عشر قرنٍ .
ان الاسلام حسب الشيخ ,  لم يعتبر يوما خروح المرأة فتنة ,  و صورتها عورة   ,  و اقبالها مظهر الشيطان ,  و ان الانحطاط ,  و حشر المراة خلف الاسوار المنيعة ,  هي نتاجات لثقافة الحريم التي جاءت في عصور متاخرة .

اذ ان المراة في صدر الاسلام قامت بدور ريادي ,  في مجتمعها فهي راوية الحديث والشاعرة والمجاهدة و الطبيبة .
ففي دراسة احصائية لكتب التسعة ,  التي هي اوثق كتب الرواية في الاسلام فان الرواية عن النساء تعكس مدى مشاركتهن و حضورهن في الحركة العلمية و الاجتماعية ,  ويمكنك قراءة هذه الارقام لبعض منهن :عائشة بنت ابي بكر اخذ عنها 299 تلميذا منهم 167 امراة و 232 رجلا
ام سلمة بنت ابي امية  اخذ عنها 101 تلميذا منهن 23 امراة و 78 رجلا
حفصة بنت عمر اخذ عنها 20 تلميذا قيهم 3 نساء
و هل يقنعك بعدئذ القول بان كل هؤلاء الرجال كانوا ياخذون العلم من وراء الحجاب ؟
امعانا في تحليل وجهة نظره , لقضية تحرير المراة .

يتوقف الشيخ عند زي المراة , و يرفض ربط تحررها  بالزي .

اذ ان هذا الربط من شأنه ان يؤدي الى اغتراب حركة تحررها .

و نسف الجسور بين تطلعاتها التحررية و القيم السائدة في مجتمعها
كان للشيخ صولة عراك اخرى , مع حراس الماضي .

اذ ناقش بكل جراة مسالة , ان شهادة الرجل تعادل بالضرورة  شهادة انثيين .

ففي لقاء معه على قناة روج ت ف  ,  قال الشهيد الشيخ ,  هل يعقل ان نعادل شهادة السيدة كوندوليزا رايس ,   بنصف شهادة رجل معتوه مثلا .
كما دافع الشيخ بشجاعة ,  عن حق الحكومة الفرنسية العلمانية ,  في اخذ القرار بمنع ارتداء الحجاب ,  في المدارس  ,  وبشجاعة مماثلة اكد  , في خطبة له ان لا شئ يمنع امامة المرا في الاسلام  .
هذا ملخص لما استطعت استنباطه , من رؤية الشيخ للمرأة .

و ذلك وفق المصادر المتاحة .لقد وجدتها  رؤيةً ,  فيها الكثير من الحكمة و التفهم لحاجات المراة .

رؤية تتسم بالابتعاد عن التطرف والشطحات .

رؤية تتسم بالاعتدال والموضوعية ,  في طرح قضية تحرر المراة بالانسجام ,  مع القيم الاجتماعية السائدة .
كلمة اخيرة احب ان اقولها : ان الشيخ لم يمت , استشهد معشوق لكن انبثق مليون معشوق في قلوب الكرد , ستبقى شجاعته مدادا  يسطر ملاحم بطولات امة .

ويبقى فكره فنارا يهدي التائهين في لجة التردد و الحيرة .
……………….
المراجع :
الشيخ محمد معشوق الخزنوي منهجه وفكره – اعداد لجنة اصدقاء الخزنوي
لقاء مكتبة جارجرا مع الشيخ
لقاء مع الشيخ مرشد الخزنوي
*ألقيت هذه الكلمة في الأمسية التي أقيمت في مدينة قامشلو بمناسبة مرور عام على اختطاف واستشهاد الشيخ محمد معشوق الخزنوي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…