مستقبل التقارب السوري – التركي ؟

شريف علي

في سياق المحاولات التركية لإخفاء الحقيقية كنظام إقليمي داعم للإرهاب المنظم الذي اجتاح المنطقة والعالم منذ أكثر من عشر سنوات ،وتوجهها لفتح صفحات جديدة من العلاقات مع بلدان المنطقة بعد فشلها في تمرير مشروعها الهادف للوصول إلى قيادة المنطقة تحت عباءة الدين الإسلامي – بشقه السني – ها هي الآن تسير بخطوات حثيثة للمصالحة مع دمشق بعد أن كانت من أوائل البلدان التي احتضنت المعارضة السورية وقدمت لها شتى المساعدات  بما فيها احتلال مناطق شاسعة  بالقوة العسكرية  واسناد إدارتها لجماعات أسمت نفسها بالمعارضة الوطنية السورية، لدفعها إلى العمل على إسقاط النظام في دمشق .
التقارب السوري التركي يتم الآن برعاية روسية مباشرة فما الذي تأمله الأطراف الثلاثة من هذه العملية، تحت أنظار شركاء تركيا في حلف الناتو عموما والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا باعتبارها أهم اللاعبين على الساحة السورية؟
ما هو ملاحظ ظاهرا أن أنقرة وبدعم دمشق وموسكو تسعى من وراء ذلك ضمان أمن حدودها الجنوبية والدفع بقوات سوريا الديمقراطية – قسد – التي تعتبرها انقرة منظمة إرهابية، نحو العمق السوري لكن هذا ليس كل ما في الأمر بل لا يتجاوز كونه ذريعة لتمرير أجندات العواصم الثلاث وسط تحولات جذرية مرتقبة على الصعيد الدولي لها تداعياتها المؤثرة على المنطقة تحديدا، مع تزايد حدة التوتر بين موسكو وواشنطن في الميدان الأوكراني .
موسكو  ومع تقلص النفوذ الإيراني في ظل إنشغالها بوضعها الداخلي ، تسعى بشتى السبل لإضعاف نفوذ واشنطن في سوريا بزج الورقة التركية ،خاصة وإنها تعلم بأنها ) أمريكا) صاحبة السيادة في أغنى منطقة من سوريا المتمثلة فيما تطلق عليه شرق الفرات بغض النظر عن طبيعة الجهة التي تديرها إداريا . وفي ذات الوقت تعمل على بقاء تركيا بعيدة عن الشأن الأوكراني وكنافذة جنوبية مفتوحة لها، من خلال  تفعيل الثنائية السورية التركية التي تساعد على تقوية موقف حزب العدالة في مواجهة أحزاب المعارضة التركية في الإنتخابات  القادمة بسحب ورقة الأزمة السورية من يديها. 
 هذه تقاطعات واضحة مع دوافع أنقرة للتسريع في خطوات التطبيع مع دمشق، والتي تطول قائمتها لتضم نقاطا تضمن السيطرة التركية شبه الكاملة على إمتداد المنطقة الكوردية في شمال وشمال شرق سوريا بعمق يزيد على 30 كيلومترا لإبعاد ما تسميه الخطر الإرهابي و على ضوء التفاهمات التركية الروسية الأمريكية ، وفرض سياسة التتريك على تلك المناطق في ظل استحالة عودة سلطة مركزية عليها رغم الإدعاء التركي بإعادة ما هي تحت سيطرتها. 
دمشق من جهتها والتي سلمت،وبمحض إرادتها المناطق الكوردية على طول الحدود  مع  تركية لسلطة كوادر حزب العمال ممن تم استدعائهم من قنديل،وبرعاية إيرانية لم تتردد في رفع سقف شروطها بشأن قبول التطبيع مع أنقرة ، وهي الواثقة بأن أمريكا لن تغادر المنطقة فأي إبعاد لتلك الكوادر يعني إنشاء قوة بديلة لها غيرملتزمة بقرارات دمشق،بالتالي يمكن لها أن تخسر حتى ما تبقى من مربعاتها الأمنية هناك.فالوضع الراهن لها يبقى أفضل مما هو مرسوم لها في المشروع الروسي،والقائم أساسا على تحجيم الدور الإيراني من المشهد السوري وإرضاء تركيا التي تعني لها الكثير على ضوء مستقبل الحرب في أوكراينا،والذي ينذر بإطالة أمده،حسب ما تشير إليه التحركات الأورو-امريكية إن كان على الصعيد العسكري أو الإقتصادي والدبلوماسي والتي تنطوي على مواجهة أي مشروع روسي من شأنه عرقلة مسيرة سياساتها بما فيها الخاصة بمستقبل الشرق الأوسط،وهوما تجلى بوضوح من خلال الموقف الأمريكي إزاء التقارب التركي ـ السوري،والذي تم تأكيده على لسان العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين،ليس هذا فحسب بل السعي الأمريكي لتشديد الخناق على الوجود الروسي في الشمال السوري والتمهيد لدمج الشمال السوري بشمال شرقه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…

سليمان سليمان ملاحظة نقدية صريحة حول واقع الحركة الكوردية في روج آفاي كوردستان: هل تحولت كثرة الأحزاب إلى عائق أمام الإنجاز السياسي سؤال مؤلم ولكنه مشروع؟ لم تكن الحركة الكوردية في روج آفا كوردستان، في معظم مراحلها، على مستوى المسؤولية التاريخية التي كانت تفرضها تحديات القضية الكوردية. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، في مقدمتها طبيعة القيادات التي أدارت العمل الحزبي…

نظام مير محمدي *   من الخطأ الاعتقاد بأن أوضاع المنطقة قد تأزمت وصارت بالغة الخطورة بعد ال28 من فبراير2026، على أثر الهجوم الأمريکي ـ الاسرائيلي على إيران، بل إنها أقدم من ذلك بکثيرا وحتى إنها تعود الى بدايات تأسيس النظام الإيراني وتحديدا عندما بدأ بتنفيذ مشروعه المشبوه في المنطقة من لبنان في بداية الثمانينيات من الالفية الماضية والذي عمل…