معاناة الكرد وفضيحة الدولة الوطنيّة في الشرق الأوسط

حازم صاغية

حيث يحلّ الكرد يحلّ القهر والشقاء. في يومنا هذا ينهال الموت عليهم في إيران وتركيّا والعراق وسوريّا في وقت واحد.
أسباب كثيرة، محلّيّة وإقليميّة ودوليّة، تفسّر ازدهار موسم الدم الكرديّ الراهن، كما تفسّر سطوعه على مساحة بلدان أربعة كبرى.
لكنّ السبب الذي يفوق سواه أهميّة، والذي يرقى إلى سبب الأسباب، هو عجز البلدان الأربعة المذكورة عن بناء دول – أمم، وعن إنشاء جماعات وطنيّة متساوية.
ونعلم أنّ الكرد، رغم كونهم الأقلّيّة الأكبر في العالم، لم يحظوا، عندما أُنشئت الدول الحديثة، بدولة لهم، إلاّ أنّهم، فوق هذا، لم يحظوا أيضاً بفرصة التحوّل إلى مواطنين متساوين وجماعات متساوية في الدول الأربع التي نشأت.
العوامل التي حالت دون تطوّر الدول – الأمم في البلدان المذكورة كثيرة، والتعبير عن الإخفاق ارتدى أشكالاً كثيرة أيضاً: «الأمّة» في معظم تلك الحالات ابتلعت «الدولة»، والقوميّة غير المتطابقة مع المساحة الترابيّة للبلد، ولا مع تركيبه السكّانيّ، طغت على الوطنيّة وعطّلتها. بعض تلك البلدان استخدم «الحضارة» ووضعها في مقابل الدولة الحديثة. بعضها الآخر استخدم «القضيّة» العابرة للحدود، مُضعفاً ما يُفترض أنّه روابط السكّان في تلك الدولة الحديثة. ومرّات كثيرة كان التوسّع الخارجيّ، أو الرغبة فيه، سبباً صارخاً للإمعان في تعطيل الداخل والهرب من بناء رابطة وجماعة وطنيّتين. ومرّات كان الحكم العقائديّ، وهو غالباً عسكريّ وأمنيّ، يمعن في خنق الخصوصيّات والتعبير عنها، فيما يولّد هذه الخصوصيّات بكثرة وإفراط. لكنْ دائماً كان الكرد ضحايا هذه الاتّجاهات والميول على اختلافها. لقد فُرزوا بوصفهم الاستثناء، وقيل لهم «أنتم لستم أنتم. كونوا تركاً أو إيرانيّين أو سوريّين أو عراقيّين»، بينما كان حكّام تلك البلدان، والقيم التي ينشرونها، يمنعون قيام تلك الوطنيّات الدستوريّة التركيّة والإيرانيّة والسوريّة والعراقيّة. في العراق وسوريّا كان يُطلب منهم، بوصفهم «عرباً»، أن يقاتلوا إسرائيل!
لنعد إلى بعض المحطّات الكبرى في مسار العجز عن بناء دول وطنيّة:
في إيران الشاهنشاهيّة، لا سيما منذ سحق جمهورية مهاباد عام 1946، حلّ القمع الثقافيّ وانتهاكات حقوق الإنسان. لكنّ إيران الشاهنشاهيّة، كما نعلم، كانت لديها أطماعها في بلد كالبحرين عند انسحاب البريطانيّين منها في 1971، وهي، في العام نفسه، احتلّت الجزرَ الخليجيّة الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
مع الخميني ونظامه استأنف الإسلاميّون سياسة الصهر المركزيّ بحدّة أكبر وبصراحة أعلى في توكيد السيطرة المذهبيّة (الإثني عشريّة) كما نصّ عليها الدستور. تصدير الثورة، والتدخّل المباشر والفجّ في الدول المجاورة، والموضوع النوويّ، جعلت إيران الوظيفة تتفوّق على إيران الدولة الوطنيّة.
في تركيّا ايضاً، قمعت الدولة الأتاتوركيّة انتفاضات كانتفاضة درسيم أواخر الثلاثينات ثمّ اتّبعت سياسات الأرض المحروقة والتهجير والتطهير العرقيّ ممّا بات إحدى حقائق الحياة والديموغرافيا التركيّتين. النظام الأتاتوركيّ لم يرَ إلاّ العداء في المسلمين غير الأتراك كالكرد، وفي الأتراك غير المسلمين كاليهود والمسيحيّين، خصوصاً منهم الأرمن. مع رجب طيّب إردوغان وإسلاميّيه استؤنفت سياسة الصهر إيّاها بعناوين أخرى، في حين أضيفت إليها تقلّبات المزاج الشعبويّ، الشخصيّ والانتخابيّ، بوصفها مصادر للقرار السياسيّ.
في العراق الحديث تلازمت نشأة البلد مع قمع انتفاضة محمود الحفيد. لكنْ بعد الانقلاب الجمهوريّ لعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف عام 1958 نشبت الحرب الأولى على الكرد في الشمال. قاسم، الذي تفرّد بالسلطة، هدّد بضمّ الكويت ممّا كاد يتحوّل أزمة عربيّة ودوليّة. حزب البعث استأنف، بقدر من التقطّع الذي تخلّلته اتّفاقيّة مارس (آذار) 1970، الحرب على الكرد. الذروة كانت مع صدّام حسين الذي خاض حروباً خارجيّة عدّة، لكنّه أيضاً هجّر الكرد من مناطقهم وأسكن عرباً محلّهم، ثمّ جرّد عليهم حملة الأنفال وقصفهم بالسلاح الكيماويّ في حلبجة.
في سوريّا البعثيّة أيضاً اكتشفنا، مع الثورة في 2011، أنّ أعداداً هائلة من الكرد محرومة من التمتّع بالجنسيّة. سوريّا لم تفوّت فرصة إلاّ أكّدت فيها للكرد أنّهم أنصاف مواطنين لا يُعتدّ برأيهم في شؤون الهويّة والمصير. لقد لقّبت نفسها بـ«قلب العروبة النابض»، ثمّ اندمجت في وحدة مع مصر جعلتها «الإقليم الشماليّ في الجمهوريّة العربيّة المتّحدة»، ثمّ سمّت نفسها «الجمهوريّة العربيّة السوريّة»، وهذا قبل أن يحكمها حزب يردّد صبح مساء «أمّة عربيّة واحدة/ ذات رسالة خالدة». في هذه الغضون، خيضت بالجملة حروب وصراعات خارجيّة في كلّ اتّجاه.
الكرد، في هذا كلّه، كانوا كالمستعمرات، إلاّ أنّها مستعمرات مُقامة داخل البلد. وربّما كانوا بديلاً عن مستعمرات أو عن توق لم يتحقّق لبناء إمبراطوريّات استعماريّة.
هل أخطأ الكرد؟ طبعاً، خصوصاً من اعتمد منهم الإرهاب، ومن أكمل مهمّة تصديع الرابطة الوطنيّة بالتعويل على وهم كردستان الكبرى. لكنْ، ومن دون التقليل من حجم تلك الأخطاء، فإنّها أخطاء صاحب ردّة الفعل التي تجد أسبابها التخفيفيّة في أخطاء صاحب الفعل المديد والمتكرّر والراسخ.
والتضامن مع الكرد اليوم، والاعتراض على هذا المسلخ الذي يُساقون إليه، تضامن مع النفس واعتراض على منعها من الصيرورة الوطنيّة. فالدم الذي يُبذل ليس دم الكرد وحدهم. إنّه أيضاً دم الدولة الوطنيّة التي يبدو كأنّها، في هذا الشطر من العالم، شيء مستحيل. أمّا عدم التضامن السائد فآخر علامات هذه الاستحالة.
الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…