الدق على وترٍ مشروخ

عز الدين ملا

السياسة فن يتم تداوله على مدار الساعة ودخل هذا الفن ضمن مناحي الحياة اليومية، كأسلوب متبع في كل زمان ومكان، في الماضي كان هذا الأسلوب حكراً على الكبار مِمَنْ يتحكمون في مصير منطقة أو شعب ما، وكانت السياسة تدار في المجتمعات آنذاك كـأسلوب دبلوماسي يقع على عاتق شيخ عشيرة أو زعيم قبيلة لتحقيق الأمن والاستقرار، وزيادة التآلف والترابط بين أبناء العشيرة أو القبيلة وبعدها ضمن الإمارة والممالك.
أما في عصرنا، عصر التكنولوجيا والمعلوماتية، أصبحت السياسية حديث القاصي والداني، يتحدث بها الصغير قبل الكبير، الشباب قبل الشيوخ، دخل هذا الأسلوب في تفاصيل حياتنا اليومية حتى أصبح جزءاً رئيساً لا يمكن الاستغناء عنها.
ولكن، ومن هذه الكلمة، من أحد حروف المشبه بالفعل (لكن)، أي أننا نحن شعوب الشرق نتشبه بالغرب والعالم في ممارسة السياسة، ما يحرّنا أن ممارستنا للسياسة يُجلب الوبال والخراب علينا لعدم معرفتنا بمداخلها وكينوناتها ودهاليزها الإقليمية والعالمية وحتى المحلية، لأننا نستخدمها ليس لرُقيينا وتقدمنا بل لخلق المؤامرات والدسائس فوق بعضنا البعض وبذلك يستفيد الغرب من ممارساتنا السياسية في سلب ونهب خيراتنا إلى جانب الاستفادة من تخلفنا وتراجعنا في جعل مناطقنا سوقاً لتصريف بضائعها وأزماتها ومقايضاتها.
إن استخدام فن السياسة يختلف في منطقة الشرق الأوسط أو بالأحرى المجتمعات المتعصبة عن باقي دول العالم، حيث نرى أن فن السياسة لدى الدول الأخرى تكون لتحقيق مكاسب علمية وعملية تعود بالنفع والفائدة على مجتمعاتهم وتحقق التقدم والازدهار، والتطور في جميع المجالات، كما وتحقق الرفاهية لمواطنيها، أما لدى شعوب الشرق الأوسطية والمجتمعات المتخلفة والمتعصبة، يتم استخدام هذا الأسلوب في الاستعلاء والقمع، ويكون موجهاً نحو داخل مجتمعاتهم لبث الفتن وتجويعها، حيث يمارس من قبل سلطة مستبدة أو إدارة فاسدة لتنفيذ مآربها على حساب شعوبها، حتى تحولت هذه الأساليب في السياسة إلى أداة دمار ونهش أجساد مواطنيها وهلاكها.
هذا كله ويعتبرونه سياسة، وهنا وجب التنويه، أن ما يمارس من فنون السياسة لدينا يأتي من البيئة والعقلية والتربية والتلقين التي تنبعث من العادات والتقاليد البالية المتوارثة تدخل أغلبها في خانة الانتقام والثأر والحقد والحسد والأنانية، تلك الصفات تدمر المجتمعات وتفنيها وتجعلها متخلفة ومذلولة وخنوعة للغير، الغرب يستفاد من خيرات تلك الشعوب الخنوعة والمذلولة ويزدهرون ويتقدمون على حساب ثرواتهم ومواردهم، أما نحن المجتمعات الشرقية نتباهى بتلك العادات والتقاليد البالية التي ترزح تحت خط الفقر والجوع والعوز، فقط التباهي بكل ما هو موجود في عقولهم وخيالاتهم المريضة.
هذا ما يظهر جليّاً في الدول الشرق الأوسطية التي تتعرض إلى الفوضى والخراب، وحكوماتها تبقى ساكتة وساكنة دون البحث عن لب المشكلة وحلها، بل تربط ما تتعرض له دولها إلى مؤامرات خارجية، إن الدق على هذا الوتر أصبح مكشوفاً للجميع، أي رمي كامل فشلهم وانتهازيتهم وانحطاطهم على وتر المؤامرات المشروخة التي عفى عليها الزمن، ولا تجدي نفعاً لأن شعوبها وصلوا إلى نوع من الوعي بما لا يمكن استغباؤهم كما في الماضي.
بيد أن هناك أيضاً قسماً كبيراً من شعوبها ما زالوا يسيرون خلف تلك الشعارات كالقطيع دون أن يدروا إلى أي هاوية ومستنقع يسيرون، والسبب هو اللاوعي وعدم تحكيم العقل، وما يسيّرهم هي العاطفة المرتبطة بما تم غرسه في النقطة العمياء من الدماغ، التي تجعل من صاحبها يسير دون دراية نحو تدمير ذاته وهو واهم بأنه يفعل الصواب، وهذا ما دفع بالأزمة السورية إلى ما هي عليه، وستبقى تسير في نفس السرداب المظلم نحو مستنقع سوداوي إن لم نداوِ تلك النقطة العمياء والسير اللاواعي خلف عواطفها السلبية بالتثقيف والعمل على كافة الصعد ويداً بيد على سحب ما تم غرسه من التوهيم والتبطين مستغلة براءة شعوبها، وتفعيله من خلال الوعي بأدوات وأساليب يدفعها إلى التمييز ما هو الصواب من الخطأ.
إن تم وضع الإصبع على الجرح، يبدأ التداوي، رويداً رويداً يلتئم الجرح ويشفى، لتبدأ الخطوة التي تليها، خطوة بناء الأخلاق والإنسان، ومن ثم نحو بناء المجتمع ومنه إلى التطور والرفاه ومستقبل مشرق، وهذا ما نحتاج إليه في مجتمعنا ووطننا السوري، لِنكن السباقين إلى تحقيق ذلك، شعبنا السوري لم يعد يتحمَّل المزيد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين أخفقت التجربة الدامية لحزب العمال الكردستاني فكريا ، وسياسيا ، وميدانيا ، بعد نحو أربعة عقود من التراجيديا الآبوجية تلطخت فيها سمعة الحركة القومية الكردية بالإرهاب ، ووسيلة كفاحهم المسلح الدفاعي المشروعة من حيث المبدأ لحركات التحرر بالمغامرة والارتزاق ، وقام مؤسسه ، وزعيمه بتجريده من السلاح وحله بعد الاعتراف العلني بالفشل ، وعقد صفقة – حسب المراقبين…

خالد حسو في ظل حالة التخبط السياسي، وضياع العديد من الفرص التاريخية، وتشتّت الأحزاب والقوى السياسية والحركية الكوردية، وتعدد المرجعيات، وتباين الخطابات، وغياب رؤية سياسية واضحة وموحّدة، بات من الضروري، بل من الملحّ، أن نطرح سؤالاً مصيرياً بكل صراحة ومسؤولية: إلى متى سيبقى الشعب الكوردي بلا مرجعية سياسية وطنية جامعة تعبّر عن إرادته، وتصون مصالحه، وتدافع عن حقوقه المشروعة؟ إن…

د . مرشد اليوسف قراءة في أخطاء قسد والإدارة الذاتية بين اتفاق 10 آذار والشيخ مقصود والأشرفية ودير حافر والرقة. عندما يقول الجنرال مظلوم عبدي إنهم «خسروا المعركة، وخسروا الإدارة، وخسروا قسد بسبب الأخطاء»، فإن أهمية هذا الاعتراف لا تكمن في الاعتراف بالخسارة وحده، بل في أنه يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل كانت المشكلة في نقص القوة، أم…

صبري رسول الأنظمة الشمولية والقمعية تشتري المرتزقين للدفاع عنها، فعلَها صدام حسين، واشترى عشرات الاقلام في بلاد العرب، فعلها بشار الاسد وبشكل أسوأ، واشترى رجال الدين ايضا. فعلها حزب الله، وحزب العمال التركي، وفرعه ب ي د، اشتروا منكم الكلام مقابل المال، فبعتَ ضميرَك مقابل دولار. هناك كثيرون من أمثالكم، وهناك نفوس رخيصة أيضاً تعمل تطوعا. اذهبوا إلى الجحيم أنت…