الكورد والإرهاب لإدريس عمر.. قراءة سريعة

 جان كورد

في عام 1990 إنعقد أوّل مؤتمر إسلامي حول القضية الكوردية في مدينة كولن الألمانية، حضره مثقفون عرب وكورد من بلدانٍ مختلفة، وفي مقدمتهم الدكتور جمال نبز (رحمه الله) الذي أبدى إهتماماً كبيراً بالمؤتمر، فلم يتحدّث أحد من المحاضرين عن موضوع الإرهاب، ليس في كوردستان فحسب وإنما في الشرق الأوسط، وقمت في عام 1994 بجمع أقوال بعض المشاركين في ذلك اللقاء الهام ونشرتها في كتابٍ متواضع تحت عنوان (المسلمون والقضية الكوردية) من منشورات (جودي) في ألمانيا، ولم أتطرّق فيه إلى موضوع الإرهاب، ثم كتب الدكتور جمال نبز كتابه الرائع (الكورد وإخوانهم المسلمون) وقدّم للكتاب البروفيسور دكتور كابوري (رحمهما الله) فتحدث عن إهمال الإسلاميين للكورد وكوردستان وأظهر حقيقة عداء الكثيرين منهم، عبر التاريخ لهذا الشعب المغدور، إلاّ أنه لم يتحدث بإسهاب عن “الإرهاب” الذي مارسته وتمارسه التنظيمات المتسترة بإسم الدين الحنيف، سوى حديثه عن “إرهاب النظم السياسية المستبدة بالشعب الكوردي”… 
وهكذا نجد أن الحديث عن هذا الإرهاب قد جاءً فيما بعد، حتى أن الأخ الدكتو عبد الرحمن اسبينداري من دهوك، كان قد اتصل بي عن طريق الإيميل أيام تحضيره للمواد المتعلقة بالحركات الإسلامية من أجل نيل شهادة الدكتوراه في جامعةٍ بماليزيا وطلب مني تزويده بما لدي من معلومات ووثائق ودراسات عن الحركات الإسلامية في كوردستان، فأرسلت له ما كان عندي، إلاّ أنني لم أجد في أرشيفي شيئاً عن “الإرهاب الإسلامي في كوردستان”، ثم عندما التقيت به بعد فترة من الزمن في مدينة دهوك، ودعاني إلى غذاءٍ في منزله، أهداني نسخةً من كلٍ من الكتيبين اللذين كان قد ألّفهما عن الحركات الإسلامية في كوردستان، وأحدهما كان بعنوان “الإرهاب في الإسلام”، فلم يتطرّق هو أيضاً إلى ذكر أي وجود فعلي أو واسع للإرهاب الإسلامي في كوردستان آنئذٍ، فإن كان هذا يعني شيئاً فهو أن المجتمع الكوردي معتدلٌ دينياً والمدارس الفكرية فيه لم تحرّض يوماً على الإرهاب وإنما كانت تدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما تسرّب إلى ثنايا هذا المجتمع المحافظ إنما حدث عندما تأثر الإسلاميون الكورد بالأحداث الدامية والأفكار المتطرّفة في المجتمعات المجاورة لكوردستان، وبشكل خاص بعد العمليات الإرهابية للقاعدة أو من وراءها ضد الولايات المتحدة الأمريكية في 9/11/2001 حيث أعقبها تطوّر أو نموٌ هائل للتطرّف الديني، والنزاع الطائفي وتشويه الدين وتسخيره لمآرب الدول والحكومات التي منها من كان يحارب الإسلام والمسلمين عن طريق دعم التنظيمات السائرة نحو الضلال تحت شعارات إسلامية برّاقة. 
والآن، بين يدينا هذا الكتاب الهام للأح الناشط إدريس عمر (الكورد والإرهاب) الذي أهداني إياه مؤخراً في 12/6/2022 بمدينة بوخوم الألمانية على أثر إنعقاد الندوة التي تمّ فيها تكريمنا وإياه وعدد هام من الناشطين الكورد لما قاموا ويقومون به من خدمات في سبيل قضيتهم القومية، وذلك من قبل (بيشمركه وسنكر وكونفدراسيون الجالية الكوردستانية). وحقيقةّ هذا كتاب فيه جهد كبير وتمّ تأليفه بموضوعية بحثية  وطباعته ممتازة حقاً ويستحق عليها الكاتب ومن ساعده في نشره كل إحترام وتقدير.
الطبعة الأولى للكتاب  الذي أهداه الأستاذ إدريس عمر لسيادة الرئيس مسعود بارزاني صدرت عن مكتبة خاني في عام 2021 وتتألف من 224 صفحة من الحجم الكبير، وقد قام بالمراجعة اللغوية للكتاب الأستاذ الناقد حيدر عمر، وصمم الغلاف الروائي والكاريكاتوريست الشهير يحيى السلو، ويمكن اقتناء الكتاب من لدن الناشر الذي وضع رقم تلفونه وعنوانه البريدي في الصفحة الثانية من الكتاب: 
Tel.009647504570454 
khaniduhok1989@gmail.com
يبدأ الكتاب بعد الإهداء بكلمة شكر وتقدير للذين ساهموا في إنجاح هذا الكتاب، وهم الأستاذ حيدر عمر والأكاديمي، الصديق محمد عامر الديرشوي الذي قدّم للكتاب، والدكتور آزاد علي، بيروز بريك، رضوان اسماعيل والمبدع الجريء يحيى السلو. كما للمؤلف مقدمة عن الدوافع التي دفعته لكتابة هذا الموضوع ومنذ متى هو منهمك فيه وكيف تطوّر الأمر لتصبح مقالاته التي نشرها في الانترنت  سابقاً كتاباً لا بد وأن يحظى باهتمام دارسي الحركات الفكرية والسياسية في كوردستان.
يتحدّث الكاتب عن شتى الأمور المتعلقة بالتطرّف الديني الآيديولوجي للإرهاب، وموقف الأديان السماوية من التطرّف وعلاقته بالإرهاب، ويذكر نماذج من الحركات الإرهابية في العالم كالإرهاب في ألمانيا وإيطاليا  واسبانيا وايرلندا أثناء فترة الحرب الباردة، كما يذكر تفصيلاتٍ عن الحركات الإرهابية في سوريا والعراق، والأعمال الإرهابية في كوردستان ضد الأقلية الأيزدية وضد بيشمركة كوردستان الدرع الذي لن تستطيع أي قوّة في العالم اختراقه لأن قيادتها في أيدي أمينة.
وفي الكتاب لمحة عن تاريخ الأديان في كوردستان، قبل الإسلام، ومنها العلاقة بين الكورد والزرادشتية، ثم يمرّ على نشوء ونمو الحركات الإسلامية في أرض الكورد بعد سقوط الشاه في عام 1979 وانتشار الحركات المتطرّفة في المنطقة ومنها حماس الفلسطينية وحزب الله، وكيف وقفت بعض التنظيمات الكوردية المتطرّفة مواقف سلبية من المشروع الديموقراطي في كوردستان، إلاّ أن بعض هذه التنظيمات انخرط في العملية الديموقراطية لأنها وجدت فيها منافع للشعب الكوردي وحفظاً لعقائده أيضاً.
وتوصّل الكاتب النشيط حقاً إلى استنتاج الدوافع لنشوء هذه التيارات الفكرية – السياسية هذه، وكذلك لميل بعض هذه الحركات إلى العنف غير المبرر، وهي ستة استنتاجات كما حددها في آخر الكتاب. وقد استعان بكثيرٍ من المراجع والمصادر  لدعم أفكاره واتجاهه الموضوعي والعقلاني في البحث والتحليل.
لك ولمن ساعدك في إنجاح هذا العمل الهام التحية والتقدير   
جان كورد – بون 24/6/2022 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…