أزمة الكورد الثقافية

  هوزان  هوزان

إن تاريخ الشعب الكوردي القديم والحديث مليء بالأزمات وبأوجه مختلفة منها داخلية وخارجية ومنها ذاتية وموضوعية , فالكوردي موجود في قلب الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية اكثر من غيره و لأسباب تاريخية معروفة و هنا لا مجال لذكرها , وأن أحد أهم جوانب الأزمة الكوردية تتجلى في الثقافة..

سواء في إبراز ثقافته أو في تناول و أخذ ثقافة الآخرين , فأخذ حضارة الآخر ,  دون ثقافة –أي دون ذاتيته هي المشكلة , و كما أن سكون الذات الكوردية هي  المشكلة الأخرى والتي لها أسبابها  , وهذه كلها  ما تشوش الآن على الكورد طريق النهوض , وما ساعد ذلك  في كثير من الأحيان إلى الإظهار وطمس وإلغاء الذات الكوردية وثقافتها , أمام هيمنة الثقافات و الحضارات الأخرى  المختلفة , وهذا ما يؤدي إلى إقصاء الكورد عن جميع مسارح النهوض والإبداع والتحرر.
وبالرجوع إلى التاريخ نرى بان أزمة الكوردي و أسبابه هي ممارسة  الثقافات السلبية بحقه (ثقافة قلع وزرع) لغياب الاستقلال الجماعي ولأسبابه المعروفة.

أي اقتلاعه من أرضه الثقافية وزرعه في أراض تخص الآخرين سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي, وهذا ما تسمى (بهجرة العقول) أو وضع الكورد في مصلحة الآخرين من القائمين على الأرض الكوردية.

وكأن الكوردي لا يستطيع أن يمارس طاقاته إلا في أحضان الآخر.

أي في إطار وقالب ثقافة الآخرين بعيدا عن ثقافته الخاصة.


وهذا ما ينعكس بان المجتمع الكوردي اصبح في وجوده عاجز عن احتضان أدمغته وبأنه متخلف بالمعنى الثقافي وتجسد ذلك في مظاهر الابتعاد عن كل من حق البحث والسؤال وعن حق الرأي والرأي المخالف, وهذا ما أدى إلى خنق الحرية والعقل لديه والى خنق الكوردي نفسه, وإذا أردت أن تعرف ذلك فما عليك إلا العودة إلى إعلام الآخر (غير الكوردي) وما يرسمه هذا الإعلام  عن صورة الكوردي خلال الأزمنة التي مضت وفي الكثير من المحطات.


ولا يعني كل ما سبق بان الكوردايتي مع التصلب والانغلاق بل على الكورد الابتعاد عن التصلب والانغلاق وقبول الأخر بكل معنى الكلمة وعلى ما هم  فيه من أوضاع وحتى لا نكون منكمشي الذات.

لان الانكماش على الذات يؤدي إلى مزيد من التراجع حضاريا.


وكما على الكورد تحريك الذات الكوردية وتفجيرها فكريا وإبداعيا ومن الداخل, ويجب أن تكون أولى أعمالهم هي تأويل ثقافة الذات في أفق المراجعة والنقد والتجاوز لا في أفق التثبيت التقديسي وعلى أساس الاحترام الكامل لحرية الرأي.


وليعلم الكورد قبل غيرهم بان الفترات الظلامية هي التي يسود فيها الرأي الواحد.

أما فترات الإشراق فهي التي تسود فيها الآراء المتباينة المتعددة (مجتمع خلاق).
 وهنا نعتقد بان السبب الأساسي لفشل الكورد عبر التاريخ وعدم نهوضهم وفق مصالحهم وعدم إرساء قواعد حقيقية للنهضة هو نبذ الآخر وتمجيد الذات من طرف, ونبذ الذات وتمجيد الآخر من طرف ثان.

أي انهم لم يدركوا عصور الفكر والمساءلة بقدر ما كانت عصورهم عصور سياسة وتسيس.


ووصل بهم الجدل بين المقولة ونقيضتها إلى جدل تنابذي (ردود) وعلى الأغلب كل ما وجد أو كتب هو أما تسويغ أو دفاع أو هجوم أو مدح وهذا هو السبب المباشر في نشوء بداية الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية الكوردية والتي لم تتقدم كما هو واضح من الأحداث نفسها إلا نحو شيء واحد هو السقوط والفشل في طريق الصعود وبهذه لم تكن هناك سياسة بصيرة وقائدة حقا.


مع أن المجتمع الكوردي هو مجتمع حي , بدليل وجوده في الأزمات وبشكل دائم ومع هذا فلا خوف لان هناك حيوية متواصلة و الأزمة الكوردية بهذا المعنى هي خاصية التقدم والحياة والفكر والخصوصية الكوردية ليست اختراعا وهي مطروحة على الساحة و الإنسان أينما كان وعلى العالم اجمع عاجلا أو أجلا , وعلينا فتح عصر الأسئلة وعصر الوعي بذاتنا ثقافةً وحضارةً, ولكي لا نكون “أتعس أمة أخرجت للناس”، ولا نكون بنفس الوقت “شعب الله المحتار”! .

وان غدٍ لناظره قريب.


 

  2007 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…