هذا ما جنته الـ pkk على الكُرد وما جنى الكرُد على أحد

أحمد عبدالقادر محمود 

لم تلقى كل التحذيرات التي أطلقها المعنيين بالشأن الكردي آذان الكرد المنخرطين والموالين لمنظومة الpkk منذُ أندلاع الحراك الجماهيري ضد النظام السوري  ، لا بل عمدوا إلى تخوين كل من قال لهم أنكم تذهبون بنا إلى كارثة  ستأتي على ما تبقّى لنا  من أملٍ في إمكانية تحقيق شيء ما ، بعدما لاحت لنا فرصة ربما لن تعوّض أبداً. 
لم تفرح تركيا سابقاً كما فرحت في العقد الأخير الذي نحن فيه ، فقد أتتها كل الذرائع والحجج التي تجعلها في موقع المحق والمدافع عن أمنها ، وكل هذا بفضل حزب العمال ( pkk) ، الحزب الذي فعل كلُ ما في وسعه من أجل جعل غرب كردستان مستعمرة تركية ، بدءً من قمعه لأي حراك كُردي ضد نظام البعث الأسدي ، ومروراً بالسيطرة الكاملة التي وهبه إياها النظام السوري على أرض ومقدرات وشعب غرب كُردستان ، وأنتهاءً بكل الممارسات الاستفزازية الممنهجة التي كانت تتمناها تركيا وتنتظرها بفارغ الصبر . 
حقيقة تركيا كانت أخر المتداخلين فعلياً في الوضع السوري ، ولكنها كانت أكثر المستفيدين على كل الصعد بذريعة  الأمن القومي ، فقد حققت مكاسب لم تكن تحلم بها وبأقل فترة زمنية ، والفضل يعود للpkk ومستنسخاته طبعا .
في حزيران 2013 م طالب أردوغان في واشنطن من أمريكا العمل على إيجاد منطقة آمنة بهدف حماية المدنيين ، والمنطقة الآمنة حسب مخطط تركيا تمتد على الشريط الحدودي جنوب تركيا وشمالي سورية مسافة 460 كم بعمق 30 كم ، ولكن أمريكا حينها لم تبالي بطلب أردوغان ، ولكن تطور الأحداث بسقوط كل المدن والبلدات المتاخمة للجنوب التركي بيد الفصائل المسلحة التابعة للجيش السوري الحر وقوات ypg  و استفحال أمر داعش ووصولها  لكوباني ومن ثم تشكيل تحالف دولي بقيادة أمريكا لهزيمتها ، جعلت من أردوغان أن يتخذ خطواتٍ منفردة مستغلاً كعادته الظرف العام المؤاتي لتنفيذ تطلعاته على مبدأ الحكمة القائلة : إذا هبّت رياحك فاغتنمها ، فسرعان ما بدء بتنفيذ عملية درع الفرات في شهر أب 2016 م وتبعها بغصن الزيتون في كانون الأول 2018 م ، وثم عملية نبع السلام في تشرين الأول 2019 م ، وبذلك حصد المنطقة المتاخمة له كاملة ووضع فيها الفصائل المسلحة السورية الموالية له وكنتيجة استطاع فصل  شرق الفرات عن غربها وحصار غرب كُردستان . 
أين الكرد السوريين من كل ذلك !؟ حقيقة سؤال يجلب العار ! فبالنظر للواقع الكردي نجد أن العرس في غرب كردستان والطبل في النزاعات والشقاقات والمكائد والتخوين ، لم يقبل حزب الpyd فرع العمال الكردستاني شراكة الطرف الأخر الكردي الممثل بالمجلس الوطني الكردي وأحزابه في أي مفصل من مفاصل غرب كردستان لا بل عمد إلى إقصائه بكل السبل على أرض الواقع بتشريد قيادته وإغلاق مكاتبهم وحرقها واعتقال البعض منهم ، وبذلك أضعف جبهة المواجهة الكردية التي ربما كان من شأنها إحداث تغير لصالح المطالب الكردية ، وبدورها أطاحت بأمال وحدة الكرد شعباً على أرضه بمواجهة الخطر المحدق وجعلتهم بين مؤيد إرتزاقي  وخائن أجرد وصامت يضرب كفٍ بكف من جهة ومهاجرين في بلاد الإغتراب من جهة أخرى  نتيجة التضييق الممنهج  عليهم في معيشتهم جراء الاعتقالات والترهيب  و التجنيد الإجباري وفرض الضرائب وإحداث قوانين أقل ما يقال عنها أنها صادرة من أناس كانوا بائعي خضار وكشاشي  حمام ، وأخطرها إجراماً عمليات خطف القصّر من مقاعد التعليم وملاهي الأطفال  التي كان رأس حربتها مجموعات الشباب الثوري الأزعر   (جوانين شور شكر )  بحق الأطفال دون سن الثامنة عشر ، ، وبالتالي إفراغ غرب كردستان من أهم عناصر وجودها ، هذا عدا الأطباء والمهندسين والأساتذة الذين شردوا دون النظر إلى الوراء . باتت غرب كردستان ملعب بلا جمهور يمارس فيه الpkk كل أنواع فنون التبعية وحسب ما يفرض عليه من أوامر ، سواء من السيد مخابرات الأسد أو من نظام الملالي أو روسيا أو الداعم اللوجستي أمريكا ، أخرج من عفرين يخرج أذهب إلى الرقة وديرالزور يذهب ، سلّم تل أبيض ، سلّم رأس العين ، أرسل النفط للجهة الفلانية يرسل ، أمنع زراعة المحاصيل يمنع وإن تمرد أحد وذرع يحرق المحصول ….. والخ 
تبعية مبررة لأنصاره تحت شعارات تكتيك مرحلي مرة ، أستراتيجية إيكولوجيا مرة ، إخوة الشعوب ، الأمة الديمقراطية ، دولة قومية في مكب الزبالة ، تجربة تدّرس في أعتى الدول الديمقراطية ، فلسفة غزت أكاديميات  العالم .
كل هذا العمل الممنهج أتى أُكله ، خيبة أملٍ في الشارع الكردي المعترض ، تفشي الارتزاق اللامبالي عند الموالين والمؤيدين ، إنتهاء الثقة بالقيادات الكردية السورية عامة ، لا بل باتوا محل سخرية العامة ، فقد أظهرت الأحداث أنهم لم يكونوا سوى كركوزات وجواكر ، المساهمة الجبارة في إضعاف الشعور القومي لدى الكرد .
أردوغان يهدد مرة أخرى باستكمال ما بدأه في إنهاء خطر حزب العمال كما يروّج بإحتلال مناطق أخرى من غرب كردستان وطرد أصابعها من هناك ،  مستغلاً وهو صياد الفرص ،  حدثاً أخر طفى على سطح الصراع العالمي وهي الحرب الروسية الأوكرانية والتي كان من تداعياتها طلب دولتين كالسويد وفلندا  الأنضمام لحلف الناتو ، وبما أن باتت الكرة بملعبة فسيقذفها حيث ما تحقق له أهداف  باعتباره يمتلك حق فيتو الانضمام من عدمه ، ويعلم جيداً أنه سيحصل على مبتغاه سواء بتنفيذ العملية أو بفرض شروطه على السويد وفنلندا بالتضيق على حزب العمال pkk هناك ورفع الحظر من قِبل السويدعن صادرات الأسلحة لأنقرة عقب عملية نبع السلام ، وأعتقد وهذا رأي أنه سيحظى بفرض شروطه على السويد وهو الهدف المفضل لديه بإعتبار أنه مسيطر على المنطقة الأمنة التي فرضها واقعياً ، ولكن ماذا لو جرت الأمور بالاتجاه الأخر ،  بمعنى ما التدابير التي ستتخذها قوات قسد ومسد لصد العملية التركية  !؟ أظن لا شيء وخاصة أنني قرأت خبر نشرته ال باسنيوز على لسان مصدر كردي مطلع  ، مفاده أن صبري أوك عضو المكتب السياسي في حزب الpkk  في زيارة لدمشق للالتقاء بعلي مملوك ، لبحث الأوضاع الخاضعة لسيطرة الحزب والنظام في غرب كردستان ، وهي نفس الواقعة التي جرت عندما هدد أردوغان بإحتلال عفرين ، حينها طالبت قيادات قسد النظام السوري بالدفاع عن جزء من أراضيها ، وذلك تمهيدا لإخلاء المسؤولية ، وكلنا يعرف ماذا جرى بعد ذلك وقد تم توثيقه في كتابٍ بحثي ( مدينة الزيتون بين إعصارين ) للصديق والكاتب الحقوقي حسين جلبي ، زيارة صبري أوك لدمشق هي للإطلاع على السيناريوهات المحتملة وعلى رأسها إذا ما نفذ أردوغان تهديداته هو تسليم تلك المناطق للنظام السوري . 
في الختام لا بد أن نعي أن الpkk من جهة  وضعف الطرف الأخر الكردي الممثل بالمجلس الوطني الكردي من جهة أخرى هما السبب الرئيس فيما ألت إليه الأوضاع غرب كردستان ، الpkk عن دراية وتصميم والمجلس عن جهلٍ وضعف .
ربما نجد العذر للمجلس الوطني الكردي ، بينما ما عذر الpkk الذي جنى على المشروع الكردي في شمال كردستان وغرب كردستان ويعمل ليل نهار لإجهاض وإنهاء تجربة جنوب كردستان وكما صرّح قيادي الpkk أننا لن نخرج من غرب كردستان ولا من الإقليم وإن اضطررنا لذلك سنخلق ذرائع لتركيا كي تهاجم إقليم كردستان . هل هناك شك بعد الأن أن الكرد أنفسهم هم رأس الحربة في جناية وإجهاض المشروع القومي الكردي !؟ وإعطاء الفرص الذهبية  للمتربصين بالكرد .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…