سادن الحكمة الجميل: في وداع الكاتب محمد سيد حسين

إبراهيم اليوسف
1-مهلاً أيها الناعي الأزرق!
لم تشأ ليلة الحادي عشر من شباط2022.هذه، أن تمضي، من دون أن تترك خلفها ذكرى جدَّ أليمة، وهي تحاول أن تغيِّب فيما تبقى من ساعاتها الأخيرة اسماً عالياً، لطالما كان له حضوره في ذاتك، كما حال بعض مقربيكما، إذ أتلقى على واتسابي رسالة من أحد أشقائي وهو يصور لي نعوة أبي رشيد، على لسان أحد أبناء أخوته. من جيراننا: لا. لا أريد أن أصدِّق. رحت أقولها وأنا أحاول أن أفعل شيئاً ما، كالملسوع. كالمصعوق- تماماً- بماسٍ كهربائيٍّ مفاجئ، فأتذكر سلسلة أسماء ذويه في قائمة اتصالات هاتفي، ومن دون أنسى صديقنا المشترك إبراهيم محمود:
أبناءه- أخوته- أبناء أخوته ….. أكتب إلى كل منهم عبارة ما، لأجد جاري نضال يجيبني وأنا أسأله مستجمعاً قواي:
هل ما كتبه شقيقك سامي صحيح؟
ينفجر نضال بالبكاء، وأنا ألتقط الخبر من فيه، لأعلم أنه كان قد أصيب بفيروس كورونا، خلال الفترة الأخيرة، وتعافى منه، إلا إنه- فجأة- تعرض لضيق تنفس، بسبب الرَّبو الذي يعانيه منذ مطلع شبابه، ما اضطر ذويه لإسعافه، وإدخاله المشفى، كي يغمض عينيه على أحد أسرَّته، للمرة الأخيرة!
لم ألتق أبا رشيد منذ أن غادرت قامشلي، قبل عقد ونِّيف من الزمن، وكان هو وعبدالقادر خزنوي رحمه الله  وأبو مالين وصبري علي- أبو آزاد- ومحمد زكي إسماعيل وبقية الأصدقاء من أواخر الذين ودعوني، قبل أن يفترق كل منهم، وتستجرّهم عناوين لم تكن على بال أحد منهم، من قبل، وأنا أحدهم، بيد إن تواصلنا الهاتفي لم ينقطع، سواء أعندما كنت في دولة الإمارات، أو عندما وصلت إلى ألمانيا، مكرهاً، بعد انتهاء صلاحية” جواز سفري”، ويهاجر هو إلى- التشيك- ليلتحق ببعض أفراد أسرته الذين يعيشون هناك، ويتصل معي ذات يوم:
لقد حصلت على الجنسية!
هواتفنا الطافحة بالحنين والشوق إلى الوطن، والأصدقاء، واستذكار الأصدقاء، وأخبار كتبه التي باتت تظهر تترى، في أكثر من طبعة، ومن دون التطرق لحالته الصحية وذلك الداء الذي نال من أعصابه، كواحد من الملايين، وسوء العلاج من قبل بعض الأطباء في أوربا الذين لا يعنون بمرضاهم إلا إذا كانوا في رمقهم الأخير، لأنهم لا يعنون بما دون ذلك من أمراض، ومواجهته لأكثر من واحد، و نوستالجياه إلى الوطن، والإشادة بأطبائه، ومنهم من شخص مرضه من دون أية استعانة بالتصوير الشعاعي، أو قراءة نتائج التحاليل المخبرية، قبل أن يزداد ثقل همومه، ويتردى الوضع الصحي لرفيقة دربه أم رشيد التي تغدو- فجأة- مقعدة، وباتت – معينته هذه- أحوج إلى من يعنى بها، ما تضطر للسفر إلى الوطن، بعد محطات عدة لدى أبنائها وبناتها، كي يلحق بها، أخيراً، تحت وطأة الحنين إلى الوطن، والهزيمة أمام الشوق إليه، رغم كل مغريات المنفى الذي لجأ إليه، بعد حرب العشر سنوات في مسقط رأسه.
سأسافر
لا ضير! إنها مجرد رحلة وتعود، ونزورك في- تبليتسة/  التشيك- ننفذ وعدنا، كما فعلها قبلنا أبو آزاد!
لا أظنني سأعود
يقولها بلغة يائسة، حزينة، لماحة،  إلا إنني أحاول أن أشحن في روحه بعض التفاؤل الذي طالما كان يمتلك محطة تخزين كبرى منه.
البيت في- التشيك- كبير يا إبراهيم، دعوناكم، ولم تأتوا. 
نحن أيضاً دعوناك لندوة لك ولم تأت
جئت مرة واحدة إلى- هانوفر- وكان في برنامجي أن آتي، وألتقيكم جميعاً
البيت كبير، وأنا وحدي فيه. الأبناء يمارسون أعمالهم، يتفرغون لنا بعد الدوام، في مناوبات مبرمجة. إننا نتعبهم. نشكل عبئاً عليهم
كلنا هكذا!
ورغم ما تعرض له من مرض نادر، إلا إنه استطاع أن ينجز أكثر من كتاب، ضمن قائمة منجزه التي فاقت العشرين، وهو تحت وطأة الألم، ومن بين هذه الأعمال الجديدة التي أنجزها في أوربا، كتابه عن: الشاعر الراحل فرهاد عجمو، بل إنه كان جد متابع لكل ما ينشر في الإعلام الكردي:
لقد قرأت مقالة إبراهيم في ولاتي مه!
لقد قرأت مقالتك! 
كما إنه كان من كتاب- بينوسانو- النسخة الكردية الدائميين، وقبل أن نعدَّ في- الجريدتين- ملفاً عنه، اقترحت عليه، وبالتنسيق مع إبراهيم محمود. صاحب الفكرة. رفيقه اليومي منحه إحدى جوائز الاتحاد، فعرضت عليه الفكرة إلا إنه اعتذر، وقال كلمته التي سيوردها آخرون، ثم حرَّضت كلاً من إبراهيم وعبدالباقي حسيني ليعرضا عليه الفكرة، فاعتذر لهما، أيضاً..!؟
لقد مارس أبو رشيد، حتى أيامه الأخيرة دور الأخ الأكبر، بل الأب مع بعض من حوله، وذلك- من جهة اهتمامه- بهم واحداً واحداً، إذ يتصل بي:
إبراهيم لم يردّ منذ يومين على رسالتي، طمئني عنه!
أبو آزاد لم يرد، ماذا حدث؟ أنا قلق!
كما ويسأل أبا مالين: إبراهيم لم يرد علي؟ ما السبب؟؟
وهكذا، مع كل محبيه، من دون أن ينسى أحداً منهم. يفتخر بمنجز أي منهم، يدعو لقراءته، كما يتباهى بنجله رشيد وهو يتألق في علاقاته مع كبار الكتاب والفنانين والإعلاميين!
لقد حقق محمد سيد حسين ما يشبه معجزة كتابية، إذ إنه، فاجأ كل من حوله، في العقدين الأخيرين من حياته، بإصدار ما يشكل مكتبة كاملة، وبلغته الكردية الأم التي كانت ذاكرته خزاناً كبيراً لمفرداتها، واشتقاقاتها، يصوغها في عبارة جد مختلفة تستدعي قارئها على التمهل، وهو في حرم نتاجه، بما يؤهل- معجمه الخاص- أن يلقى الحفاوة والاهتمام، من قبل الباحثين والدارسين المختصين!
يتبع…
تل عربيد-قامشلو-  تلبيتسة- هولير-  تل عربيد

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…