جدلية «تساقط» المعارضة ، و «اسقاط» النظام

صلاح بدرالدين

هل من رابط شرطي بين صعود ، وهبوط تيارات معارضة في مرحلة معينة ما ، في بلد يحكمه نظام دكتاتوري استبدادي مثل سوريا ، وبين بقاء ، او زوال النظام ؟ وبعبارة أوضح هل فشل – المعارضة السورية – بزعامة الإسلام السياسي خلال العشر أعوام الماضية ، في تحقيق اهم اهداف الثورة الوطنية السورية باسقاط النظام ، واجراء التغيير الديموقراطي يعني ان النظام على حق ؟ وان شعار اسقاطه كان خاطئا ؟ وأن اهداف الثورة لم تعبر عن إرادة السوريين ؟ وان البديل هو الارتماء باحضان نظام الاستبداد والهرولة نحو دمشق ؟ .
مانشرناه قبل أيام حول الإسلام السياسي وراس حربته الاخوان المسلمون السورييون ، ودورهم في تصفية الثورة ، وحرف المعارضة عن نهجها ، وما كتب عن ذلك العشرات من الوطنيين السوريين ، لم يكن الهدف منه سوي اجراء مراجعة موضوعية نقدية في مسار ، ومآل المعارضة ، بغية معرفة ماجرى ، والاستفادة من دروسها ، وإعادة بناء معارضة وطنية ديموقراطية ، ببرنامج سياسي واضح معبر عن إرادة الغالبية من السوريين ، واستخدام افضل السبل لتحقيقه .
فاالصراع بين الشعوب من جهة ، وبين النظم الاستبدادية ، والدكتاتورية ، ازلي تاريخي حتى يعم السلام ، والوئام ، ويزول استغلال الانسان للإنسان على الكرة الأرضية ، وقد نشبت المئات من الثورات التحررية ، ومن اجل التقدم الاجتماعي ، والديموقراطية طوال التاريخ البشري وانتصر بعضها ، واخفق بعضها الاخر ، ولكن الشعوب اعادت الكرة مرحلة بعد أخرى ، ولم تنطفئ جذوة الكفاح ابدا ، فكبرى ثورات العالم وأقصد الثورة الفرنسية التي أرخت بظلالها على الفكر التحرري في كل بقاع العالم دامت اعواما حتى حققت أهدافها ، ولو جزئيا .

قراءات مختلفة ، من منطلقات متباينة
أصحاب الثورة السورية ، من ثوار ، ومتضامنين ، وحريصين ، والمؤمنين باهدافها ، من حقهم القيام بمراجعة مسارها لفائدة المستقبل ، أما المتربصون بها منذ اليوم الأول ، والمترددون ، والذين أبدو نوعا من التعاطف الشكلي من قيادات الأحزاب الكردية ، تحت ضغط الجمهور الكردي ، وفي الوقت ذاته تواصلوا مع أجهزة السلطة هؤلاء جميعا قاموا بدور – الثورة المضادة – والاحتياطي في الخطوط الخلفية ، واساؤوا للشعب السوري ، وللكرد ، والقضيتين السورية ، والكردية كثيرا .
تياران سياسييان كردييان
  لم يعد خافيا حقيقة وجود تيارين سياسيين داخل الحركة الكردية السورية منذ نشوئها ، احدهما كان ومازال مواليا للنظام ، ومعاديا لاي تعاون مع القوى الديموقراطية السورية المعارضة ، ولنا تجربة طويلة ( كحزب الاتحاد الشعبي سابقا ، وكمجموعات وأفراد لاحقا ) في الصراع مع تعبيرات هذا التيار منذ عام ١٩٦٥ وحتى الان ، حول جملة من القضايا الفكرية ، والسياسية ، والثقافية ، والقومية ، وفي المقدمة مسالة الموقف من الأنظمة المستبدة الحاكمة ، والتي تحسب في خانة اليمين القومي حتى لو تسترت بأسماء ( تقدمية ورفعت شعارات مثيرة ) ، باعتبارها ساومت على الحقوق القومية أولا ، ووقفت مع النظم المتعاقبة المعروفة بمعاداة الديموقراطية ، وتوريث الفساد ، وتمثيل الطبقات ، والفئات الاجتماعية المستغلة للطبقات الفقيرة .
  بعض هذه التيارات استقطب   شريحة من المتعلمين من موظفين وأصحاب مصالح كانت ومازالت ترى موقعها الملائم مع أي نظام سائد ، وفي تجربة حزب الوحدة كما في تجربة ب ك ك على الصعيد الاقليمي العام لعب الانتماء المذهبي دورا أساسيا في موالاة نظام الأسد الطائفي ،   ممثل احد تلك التيارات. اخطأ التعبير بالقول : ( لم نرفع يوما شعار اسقاط النظام )  بدلا من القول : لم نخرج يوما من تحت عباءة النظام ، وكنا أوفياء تجاهه ، نزوده بكل ما نحصل عليه من معلومات من شأنها الحاق الضرر به ان كان من الوسط الكردي ، أو السوري  .
  المنتمون الى تلك التيارات ، والاحزاب ، ومن بينهم جماعات – ب ك ك – لم يكونوا يوما بحاجة الى ذرائع من قبيل فشل المعارضة أو تساقطها حتى يفتحوا النار على الثورة السورية ، وأهدافها النبيلة ، أو يتباهوا بادعاء الحق ، والحقيقة بشماتة ، فهم وقفوا ضد تلك الأهداف قبل قيام الثورة بعقود ، وعملوا مع السلطات الحاكمة ، ومارسوا الازدواجية في مراحل معينة .
  قد يمر البعض مرور الكرام على مسألة موالاة ، التيارات ، والأحزاب الكردية ، للنظام منذ عقود ، واعتبارها شكلا من العمل السياسي ، ولكن الامر ابعد من ذلك بكثير ، فمجرد قيامها باالنأي بالنفس عن النضال القومي الذي يعني عدم مواجهة النظام ، أو التعامل معه درء للاعتقال ، والملاحقة ، ليس ذلك  قمة الانتهازية ، والنكص بالوعود ، والعهود فحسب ، بل مشاركة مباشرة ،وغير مباشرة في الوقوف بوجه التيار القومي ، والوطني الكردي الصادق الأصيل المعبر عن إرادة الكرد ، وكذلك المشاركة في تحمل مسؤولية تنفيذ مخططات الحزام ، والاحصاء ، وتغيير التركيب الديموغرافي للمناطق الكوردية ، والتحول نحو صف النظام ، ومشاريعه ، ومخططاته المعادية ليس للكرد السوريين فحسب بل لكل فصائل الحركة الكردستانية وخصوصا الاشقاء في إقليم كردستان العراق ، ومنجزاتهم القومية ، والديموقراطية الكبرى  .
  منذ اكثر من خمسة عقود وهذه التيارات اليمينية ، والانتهازية ، تتوالد في اقبية الأجهزة ، وتنشق على بعضها بفعل تبادل التعامل معها من جهة النظام بأكثر من عشرة أجهزة امنية ، وكل واحدة منها تتصرف لتحقيق الهدف المشترك : تمزيق الحركة ، واثارة الفتن ، وتكريد الصراع ، وشهادة للتاريخ اقول : صحيح اننا كنهج نضالي مميز ، تعرضنا لمخططات السلطة في الملاحقة ، والاعتقال ، والحرمان من الحقوق المدنية ، والاختراق الأمني ، وشق الحزب ، ولكننا وللأسف قاسينا الامرين من بعض بني قومنا ( أحزابا ومجموعات ، وافرادا  ) من المتعاملين مع السلطات من تلك التيارات السالفة الذكر .
  نعم تساقط المعارضة أمر مؤسف ، ولكن بإمكان السوريين تحويل – السقطة – الى احد عوامل الاستنهاض ، وإعادة البناء ، وتنظيم الصفوف ، وصياغة المشروع الوطني ، وصولا الى اسقاط النظام .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تصعيد الخطاب وتبدل التحالفات: إلى أين يتجه حزب العمال الكردستاني؟ عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…