لماذا تتدهور الليرة التركية 1/2

د. محمود عباس

 العملة، جزء صغير من الاقتصاد النقدي، تدرج ضمن شبكة عنكبوتية اقتصادية معقدة، من النقد بأنواعه إلى البضائع بكل أوجهها إلى العلاقات الاقتصادية بكل أشكالها. فتراجع سعر صرف العملة التركية، المرتبطة بالدولار واليورو، أو انهيارها فيما لو أستمرت، ستخلق إرهاصات على كلية الاقتصاد، ومطبات في البعد السياسي أمام مسيرة حزب العدالة والتنمية، قد تقضي على هيمنتها، وتحول تركيا من دولة شبه ديمقراطية إلى شبه دكتاتورية، كما هي عليها إيران، خاصة فيما إذا بلغت مرحلة عدم إمكانية الحد من التضخم.
  في المرحلة الحالية، قد يكون تأثيرها على الاقتصاد العام للدولة ضعيفا؛ مع إصرار أردوغان؛ تخفيض سعر الفائدة، تحت نظرية المفهوم الاقتصادي المرجح على أنه سيزيد من الاستثمارات ونمو الاقتصاد، ودعم التصدير، وبالتالي زيادة الطلب على العملة الوطنية، ولكن ديمومة التراجع في عملتها بدأ تؤدي إلى بروز تناقضات ما بين سعر السوق أي التضخم وبين التطور الاقتصادي السنوي. وهنا تكمن وجهي التناقض ما بين الشعب الذي يهمه الحاضر الجاري، وحكومة أردوغان الذي يركز على التطور الاقتصادي للحفاظ على مكانة تركيا كدولة اقتصادية كبرى وبالتالي قادم الشعب التركي.
  يستند أردوغان، على العلاقة الطردية بين سعر الفائدة والتضخم، على أن أسعار عملات الدول الكبرى، ومن بينها تركيا، المتطورة اقتصاديا، لن تتأثر بحركة المراكز المالية العالمية، أو الضغوطات الدولية، أو الحصار الاقتصادي، بل ستكون تحت هيمنة السياسة الاقتصادية، الداخلية والخارجية، علماً أن خلفيات انهيار الليرة التركية متشعبة (تعتبر حالة عالمية نادرة بسبب مركزها الاقتصادي العالمي) اقتصاديا: مرتبطة بالعلاقات التجارية، والاتفاقيات الرأسمالية العالمية القصيرة والطويلة الأجل، بعكس انهيار الليرة السورية والتي هي نتيجة الحرب، وغياب العملة الصعبة والتي كانت تدعم من قبل إيران على مدى السنوات السابقة، المنقطعة على خلفية تضييق الحصار الاقتصادي الأمريكي عليهما. أو اللبنانية المتأثرة بالعملية السياسية، والتخطيط الاقتصادي المتحكم به قوى إقليمية، وتأثرها بحالة الحرب في سوريا. فحل إشكالية الحالتين السورية واللبنانية ليست بتلك التعقيدات التي تجتاح الأسواق التركية. وسياسيا: على خلفية صراعها مع الدول الكبرى وخلق بؤر ساخنة في المنطقة، وعرض ذاتها ليس فقط كمنافس، بل صاحبة الحلول لقضايا الدول التي تتعرض فيها مصالح أمريكا وروسيا وأوروبا للخطر، إلى جانب تطويف العالم السني الراديكالي في المنطقة. 
 ما يجري في الاقتصاد التركي هي نتاج مرحلة زمنية قصيرة الأجل مقارنة بالدورات الاقتصادية العالمية والمراحل المعقدة، خاصة بعدما أدرجتها الدول الكبرى ضمن الدول العشرين في العالم، وارتبطت بعدها بشكل متين بالاقتصاد العالمي، والأسواق الدولية، وحركة التجارة العالمية والتضخم في الأسواق العالمية، الناتج عن جائحة كورونا، وتجميد الشركات الرأسمالية العالمية لعقودها الطويلة الأجل، التي ساهمت سابقا في رفع سقف الدخل الوطني التركي، لخلفيات سياسية، منها: تقديم تركيا كدولة إسلامية ليبرالية، المنهجية التي تخلى عنها أردوغان بعدما رسخ مكانة تركيا بين مجموعة الدول العشرين، لينحرف نحو العالم الراديكالي، بل ودعمتها في الواقع العملي، وهو ما أيقظ العالم الرأسمالي لمواجهته، وتنبيهه على الركيزة التي نهض عليها، وكيف بإمكانهم الحد من تجاوزاته.
 تركيا وعلى مدى عقد من الزمن ما بين عامي 2006-2016 كانت تتلقى ما بين 250 إلى 400 مليار دولار من السيولة وبالعملة الصعبة، بلغت قرابة 75% من إجمالي الدخل الوطني، أي كانت تصل في بعض السنوات إلى قرابة 300% من الموجود في الداخل، وهو ما رفع من مكانة أردوغان وحزبه، وحافظ على استمراريته في القدرة على تشكيل الحكومة لمرات متتالية دون مشاركة الأحزاب الأخرى في البرلمان، بل ومكنه من تغيير بنود في الدستور التركي.
    المساعدات الخارجية، وحسب تقارير BIS cross-border figures قدمتها معظم الدول الكبرى في العالم، فعلى سبيل المثال، أقرضتها البنوك الإسبانية قرابة 84 مليار دولار، والفرنسية قرابة 39 مليار دولار، والإيطالية قرابة 17 مليار دولار، واليابانية 14 مليار دولار، وبعض البريطانية أكثر من 19 مليار دولار، وبعض الأمريكية تجاوزت 18 مليار دولار، والألمانية وغيرها من الدول الأوروبية وهنا لا نتحدث عن قروض وعقود الشركات المالية الأمريكية والتي لا يتم التصريح عنها، وتكررت على مدى سنوات، إلى درجة أن هذا الدعم الضخم أدت إلى تأثر بنوك تلك الدول بتدهور الليرة التركية، وعلى إثرها خسرت شركات القطاع المالي مثل UniCredit و BNP Paribas و BBV  وغيرها، قرابة 3% من سعر أسهمها في الشهور الأولى من تدهور الليرة، رغم أن سعر الفائدة كانت قرابة 18% حينها وكانت مربحة لتلك البنوك، أي عندما أرتفع الدولار إلى سوية الخمس ليرات، والتي كانت في الواقع نتيجة تحجيم قروضها، ورفع سقف سعر الفائدة على تركيا وشركاتها، وعدم تجديد العقود القديمة، تحت ضغط دولها، والتي تؤثر بدورها على تراجع سعر صرف عملتها. 
 علما أن تلك المساعدات في السنوات الأولى من حكم أردوغان، أنقذت اقتصاد تركيا المتهالك، ونقلتها من دولة مديونة إلى الدولة 18 عالميا، ومن مستوى الدخل الوطني الذي كان يتراوح على حدود 280- 300 مليار دولار سنويا في السنوات الأخيرة من القرن المنصرم، وقبل أستلام أردوغان السلطة، إلى قرابة 850 مليار دولار عام 2019م، على أمل أن تتجاوز سويات التريليون دولار في عام 2030م، ومن عجز في الميزانية بلغت في نفس المرحلة قرابة 20% إلى دولة تنافس الدول الكبرى في تصدير بعض الأنواع من الأسلحة، والتي ستستمر لسنوات قليلة قادمة قبل أن تتراجع وبقوة، بغض النظر عن التناسي لمسيرة التضخم الذي يهدم سعر العملة الوطنية والمتأثر بدوره بتخفيض سعر الفائدة، وبالتالي قد يبلغ قريبا سويات التأثير على الاقتصاد العام. فمثلما أنقذت تلك المساعدات ليرتها التي كانت الدولار تعادل مليون ليرة تركية، إلى سوية الليرتين حتى قبل سنتين، تحاول اليوم أن تعيدها إلى مستنقعها الماضي… 
 يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
23/11/2021م
ملاحظة:
للمزيد من الاطلاع، يمكن مراجعة مقالاتنا (هل ستتفتت تركيا كالإمبراطورية العثمانية- جزأين 2018م) (أردوغان تدهور بين السياسة والاقتصاد…. من صَنَعَ أردوغان)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي