في رحابة رحيل آخر، أي عجيل علي التسعيني عمراً

 إبراهيم محمود
 
لا أذكر تماماً منذ كم عقد من السنين عرفته، وهو في عنفوان قوته، سوى أنني احتفظت بتلك الصورة الأولى، حتى وهو في التسعين من عمره، كما لو أنه بالعنفوان ذاك، وهو يمضي من عمر زمني إلى عمر له احتساب آخر لا مرئي. كبيراً كان، إنما دون أن يكبر، كما هو تقديري له، حين كنت ألتقيه، كما لو أنه يجدد شبوبيته في كل مرة، تأكيداً على أنه ينتظر ما ينشده روحاً وعقلاً وقلباً، كأي إنسان، إنما كأي كردي، أضناه حلم وجوده، كغيره، وهنا أسمّيه: عجيل علي، وأذكر الصديق الأقرب إلي من دائرة أفراد عائلته: ابنه: عدنان عجيل. ولكم هو الرحيل من نوع كهذا، وأسلوب مباغتة، مؤلم، مفجع، يخثّر الحياة في الروح، حين يلفظ أنفاسه بعيداً عنه” في مدينة ألمانية، ظهر الاثنين 8-11/ 2021 “، بينما الصديق عدنان في قامشلو.
إنها جغرافيا أخرى، غير معهودة، لها شأن بفنون من لونها وشكلها ورائحتها، وقد باتت معهودة بالكثير من الفواجع الأهلية، العائلية، البلدية، وقد تناثر الأهلون والأصحاب، جغرافيا لا شأن لها بطبيعتها، إنما بطبيعة من أوجدوها وهي تتنفس شقاقات، ميتات، أهوالاً، ويلات، تباعدات، كراهيات، تصادمات، عداوات، انجراحات دامية، كوابيس مطابقة لاسمها حصراً.
تُرى، كيف يترجم موت أب كهذا، بالنسبة لفرد أو أكثر من أفراد عائلته، لصاحب له، لصديق له، لقريب له، حيث تتقاسم حدود ملتهبة، وتربصات مهدّدة، وما لا يصدم بغتة؟ 
كان بافي سليمان هذا” وهو اسم ابنه الكبير “ذاكرة معلومات ” تحمل في طياتها تواريخ وجهات جغرافية جزراوية وغيرها، وبافي سليمان هذا الذي كان يركّز على الغد تلو الغد في انتظار غد، يشعر بأن الكردي فيه قد بلغ المنشود، لفظته الجغرافيا التي لغّمها سماسرة الشر، الحرب، العنف المتنوع، أصناف الحقد، ليرغَم على مفارقتها، وهو قابض على تلك البقية الباقية من الجغرافيا التي عاشها منذ صغره، وكان يتحدث لعقود، بشأن الكردي فيه وفي الجوار، وهي ملء دمه، كما يؤكد ذلك زلال صوته، ووضوح معناه، بلغة شعبية مفهومه مبنى ومعنى، كآلاف مؤلفة من الكرد الذين كانوا يعيشون الحالة هذه، حيث لم يعد في مقدورها مواجهة الجغرافية المستحدث بمهالكها وشرور مسالكها، حيث الناس ” الكرد في الواجهة ” تفرقوا أيدي سبأ، كل يلوذ بجهة، دون السؤال أحياناً عما تكون باسمها، المهم، هو بعض من الأمان، وانتظار فرج هو نفسه فارق معناه بمرور سنين طوال، وليستقر بافي سليمان في ألمانيا، حيث أفراد من عائلته هناك، وهو يواجه غربة جغرافية لا عهد له بها، مستعيناً بحرارة محفّزة من ذات جغرافية أسكنها نسيجه الروحي، علّه يستطيع التوازن.
ليس بافي سليمان النموذج الاستثناء في جرحه الروحي الفائض نزفاً وقهراً وعجزاً تجاه المستجد، فلا  أكثر من المتشابهين في لائحة المصدومين بوضع كهذا، سوى أنه يحتفظ بنسخته من المعاناة ذات الصلة بتلك الجغرافيا التي أودعها روحه، وسخطه على الجاري، وتوقه إلى صباح طال وطال وطال على وقع ليل بهيم بهيم بهيم إلى اللحظة سورياً .
لم يفلح الراحل بافي سليمان في تمديد عمره، ليكون له من الحياة نصاب آخر، علّه يلامس الصباح المرتقب، علّه يسمع في لحظة خاطفة: الأمور استقرت يا بافي سليمان، وليعانق جغرافيته الوديعة، كم يستعيد عافيته بعد معاناة سافرة. لعله كبر، وهو بعمر تميّز عن كثيرين، وهو في عمره الكبير ذاك، كان يعيش صبابة العمر، شبوبيته، رجولته، انفتاحه، طلاقة الخطى في جهات العمر الأربع، وعيناه على الجهة التي تريه بشيراً لا نذيراً .
وأن أسمي بافي سليمان في موته الذي تداخل فيه الطبيعي واللاطبيعي،ـ فلأني على يقين من أن الموت وإن كان واحداً، باسمه، سوى أنه كثير، متنوع، تبعاً لحياة المتوفى: حياة عريضة، موت عريض، حياة رحبة، موت رحب، فالموت بدوره مراتب، كما هي الحياة دقةً! 
تلك هي حسرة الكردي هنا، وتلك تقاسيم أخرى للكردي إزاء الكردي ومعه، قريباً أو بعيداً، حيث البكاء في البكاء، والقهر في صمت، ونزف الصبر في صمت، لأن ليس هناك من شريك، في كل ذلك، كما كان الحال قبل عقد من الزمان.
ألا ما أثقله من فراق كهذا، ومن وجع كهذا، بالنسبة إلى جمع عائلي لم يعد جمعاً، لجمع أهلي متناثر بأفراده كذلك .
تُرى ماالذي احتفظ به الراحل بافي سليمان في آخر نفَس له داخل الجغرافيا التليدة تلك ؟ وهو مسكون بمرض طبيعي وفوق طبيعي، بأوجاع عمر أكثر من كونها أوجاع عمر حصراً !!
حزن أكبر من اللغة، وأكبر من أن يحاط به بالكلمات، ولكن لا بد من كلمات تقال، مهما كان ضعف الإرسال فيها، أعني بها، كلمات عزاء، مؤاساة، ولو عن بعد، لأفراد عائلته، لمن أعرفهم، وفي المستهل هنا، الصديق عدنان وأنا أتخيل الآن ما عليه حزنه الكردي والإنساني الآن، وهو بعيد آلاف الأميال عن النقطة الجغرافية التي لفظ فيها والده أنفاسه الأخيرة
العزاء لكم جميعاً، فرداً فرداً يا أحبة عجيل في وضع كهذا، في جرح مشترك كهذا، لا يُرى إنما يعاش في صمت، تأكيداً على حِداد يصلنا ببعضنا بعضاً هنا وهناك، وأبعد من هنا وهناك…!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجابرحبيب منذ بدايات القرن الماضي، والكوردي في سورية متَّهَمٌ سلفاً. تهمةٌ جاهزة، لا تحتاج إلى دليل ولا إلى سياق: الانفصال. يكفي أن تكون كوردياً كي تُستدعى هذه الكلمة من أرشيف الخوف. حكمٌ مؤجَّل لا يسقط بالتقادم. لم ترفع الأحزاب الكوردية، ولا النخب الثقافية الكوردية، شعار اقتطاع الأرض، ولم يُسجَّل في خطابها السياسي مشروع تمزيقٍ لسورية. ومع ذلك، ظل الكوردي يُعامَل…

ريبر هبون تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها الفصائل المتشددة المدعومة تركيًا والمحسوبة على وزارة الدفاع السورية، بوصف ذلك بداية لمرحلة جديدة ترسم حدودها بوضوح بين الكورد، الممثلين بمشروعهم المتمايز، وبين مشروع الفكر الجهادي الذي ما إن يتوافق مع الخارج، وهذه المرة إسرائيل، حتى يبدأ عملية جديدة بغية إحكام…

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…