فيما لو انسحبت أمريكا ما مصير روج آفا؟

د. محمود عباس

ما هو مصير روج آفا، خاصة شرق الفرات، لو أعلنت أمريكا أن المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق لم تعد تمثل خطراً على أمنها والعالم، وقررت الانسحاب من المنطقة؟
السؤال الذي طرحه علينا (دلبخوين دارا) في قناة روداو، وهو بحكم رسالة، دائمة الحضور، متعددة الأوجه، لكلية الحراك الكوردي والإدارة الذاتية، في مواجهة القوى المتربصة بها. ولأهميته، يتطلب منا جميعا، دراسته من عدة أوجه، والتحضير لكل الاحتمالات المتوقعة في حال حصل المنوه إليه.
  ولضيق الوقت أثناء الحوارات الإعلامية المباشرة، كثيرا ما يظهر التحليل والجواب ناقصاً، أو لا تتوازن وثقل السؤال، وهنا سنتطرق إلى وجهين من أوجهها المتعددة.
الوجه الأول:
لنتوقع في الزمن القادم، سماع خبر مفاجئ من الإعلام على أن الإدارة الأمريكية، بناءً على مؤشرات ما، قررت تسليم ملف الإرهابيين إلى دولة إقليمية، كتركيا على أنها من الناتو، أو إلى روسيا مثلما سلمت إدارة أوباما أغلبية الملف السوري إلى روسيا عام 2015م، وقررت سحب قواتها من سوريا وشرق الفرات حصراً، لأن وجودها في المنطقة لم يعد له داع! وهو ما سيؤدي إلى جملة من الأسئلة المرعبة والمحيرة، على خلفية توقع كارثة عسكرية، سياسية، ديمغرافية، في المنطقة:
 هل الحراك الكوردي والإدارة الذاتية بإمكانها مواجهة الواقع؟ وهل هي جاهزة، أو حضرت ذاتها لهذا الاحتمال؟ المؤشرات التي سبقت تبين على أنها غير مكتفية ذاتيا، وتعيش واقع الاعتماد على الخارج؟ على الأقل عسكرياً وسياسياً، رغم أنها أفضل من المناطق السورية الأخرى المعاشة في الحضيض.  
ما هي الطرق المفتوحة أمامها؟ 
هل تملك قدرات المواجهة ذاتياً؟ وهل تملك القدرات الدبلوماسية لإيجاد البديل، لمواجهة القوى المتربصة بها؟
هل تستطيع مواجهة تركيا مع قوات المعارضة الجهادية؟
هل ستتمكن من مواجهة السلطة والميليشيات الإيرانية والدعم الروسي لهم؟
 هل ستقبل السلطة تنازلاتها؟ 
هل روسيا ستحل مكان أمريكا وبنفس الشروط؟ أم أنها ستعيدها إلى أحضان السلطة المركزية مع القليل من الامتيازات، كالإدارة الذاتية المصغرة ولجغرافية ضيقة؟ 
هذا ما يدفعنا أن نبين لبعضنا كحراك كوردي، أن الاستناد على القوى الخارجية وحدها؛ لديمومة الاستقرار، دلالة الضعف، وهو ما يخلق عدم الثقة بالذات، والحراك الكوردي مع الإدارة الذاتية، لا بد وأن تدرك أن الاعتماد على أمريكا في واقعنا الحالي دون تقوية العامل الداخلي وهي لا تزال موجودة وتدعم، جهالة، والنهايات قد تكون كارثية. 
وألا تنسى أبدا أنه للسياسة أوجه متناقضة (صديق اليوم؛ قد لا يتعرف عليك غداَ، وعدو البارحة قد يصبح اليوم شريكاً للدرب) والدول الكبرى خير من ينطبق عليهم هذا، ففي السياسية قد يكون اليوم ربيعا، وغدا ينقلب الجو إلى الشتاء! لهذا لا بد من وضع الاحتمال الذي يحمله السؤال في ثناياه، ونتوقع أن القادم لا يخلو من المفاجئات.
الوجه الثاني:
لئلا نخلق جواً من الإحباط والرهبة، بعرضنا للاحتمال السابق، وهو ما لم نتطرق له في حوارنا على القناة، والذي هو في الواقع وحسب المؤشرات الميدانية، وما تصدر من الإدارات الأمريكية المتعددة احتمال تتعارض ومجريات الأحداث والمصالح الأمريكية، وتتناقض والإستراتيجية الأمريكية العسكرية والسياسية في المنطقة، لكننا عرضناه، كتحذير لحراكنا الكوردي والإدارة الذاتية، لتعيد النظر في علاقاتها الداخلية، على أمل أن تبلغ سوية الحركات السياسية الناجحة، والتي تقلص مثل هذه التوقعات، وتعمل على تقوية العامل الداخلي، لتتلاقى مصالح الدول الكبرى مع مصالح أمتنا، كما حصل عند محاربة داعش. 
في الواقع العملي، الولايات المتحدة الأمريكية وحسب ما يصدر من إداراتها، مصالحها تتطلب البقاء في شرق الفرات ولسنوات قادمة، والأسباب عدة، منها:
1- لا تتجرأ أية إدارة أمريكية الإعلان عن زوال خطر المنظمات الإرهابية، وعلى أنه بإمكانها أن تترك المنطقة دون مراقبة. هذا الاحتمال قد يؤدي إلى أن تعيد الخلايا النائمة تدريب مجموعات صغيرة لتقوم بأعمال إرهابية في الخارج، وأي احتمال كهذا، أي حدوث عمل إرهابي في أمريكا أو أوروبا، سيعرض الحزب والإدارة الحاكمة إلى كارثة انتخابية، ومسائله كبرى من قبل الشعب الأمريكي.
2- المعلومات المسربة من الإدارات الأمريكية، البيت الأبيض إلى وزارة الدفاع إلى وزارة الخارجية، تؤكد على أن وضعها في شرق الفرات لن يحصل عليه أي تغيير في القادم من الزمن، تكررت هذه التصريحات عدة مرات ومن جهات مختلفة بعد خروجها السريع من أفغانستان، وآخرها كانت من بيرت ماكفيرك، وجو هود، وقد نوه إليها وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وغيرهم. دعمت هذه التصريحات بدراسات صدرت من المحللين السياسيين الأمريكيين الذين يستخدمون بشكل غير مباشر إيصال ما تريده الإدارة الأمريكية إلى العالم، وقد تضمنت إحدى هذه التحليلات، ثلاث نقاط: على أن ما يقارب عشرة ألاف داعشي يوجدون في السجون العراقية وضمن المخيمات في غرب كوردستان، وبدون مراقبتهم تزداد احتمالية خروجهم، وعودتهم إلى العمل الإرهابي. الثاني، وهو أن مثل هذا العدد تقريبا، خلايا نائمة، في العراق وسوريا، ما بين بادية الشام والأنبار ومدنها، وغيرها. الثالثة، وهي أن هذه الخلايا، تملك ما يقارب المئة مليون دولار من الأموال، أي في البعد الاقتصادي بإمكانها أن تقيم معسكرات سرية، تدرب وتخريج مجموعات إرهابية، وتنشرهم في العالم. هذه الاحتمالات تفرض حضورها والمراقبة الدائمة للمنطقة حفاظا على أمنها.
3- البيت الأبيض، هو من يقرر أنه تم القضاء التام على المنظمات الإرهابية أم لا، داعش وأمثالها في المنطقة؟ وذلك على خلفية مصالح أمريكا، وأمنها القومي، وسلامة شعبها. وستظل مدعية كلما أقتضى الأمر إلى بقائها في سوريا. كما يلاحظ أن أمريكا وأوروبا ليستا مقتنعتين بإنهاء الإرهاب في سوريا والعراق، ويستنتج من هذا أن أمريكا لا تتساهل مع روسيا بوضع نهاية لمأساة سوريا. وبالتالي لن تكون لقرارات مجلس الأمن أية خلفية قانونية كما تلوحوا به روسيا حول تواجد القوات الأجنبية، وفي مقدمتها الأمريكية. 
4- حضور دول التحالف، وعلى رأسهم أمريكا، في المنطقتين الكورديتين ستستمر، لأن حروب السنوات الماضية أثبتت على أنه لا بديل عن القوات الكوردية في المنطقة، بمقتضى مصلحة الطرفين. 
5- تدرك أمريكا تماما، على أن حزب العدالة والتنمية تحول من حزب إسلامي ليبرالي إلى راديكالي، وله علاقات لوجستية مع المنظمات الجهادية، كداعش والمنظمات السورية التكفيرية المعارضة، وبالتالي لا يثق بتركيا حتى ولو أنها دولة مهمة في الناتو، مع ذلك ولتحجيم روسيا، فهي مرغمة على مسايرتها. ولإيران وبعض الدول العربية علاقات مماثلة كل حسب نوعية مصالحها مع المنظمات الإرهابية في المنطقة.  
هذه العوامل تبين على أن سوريا ستستمر على الواقع المعاش حالياً، على الأغلب؛ لسنوات قادمة، والحل قد يأتي من ذاته، فيما إذا لم تنتهي إلى التجزئة، أو ما شابهها، وما يجري من حوارات، على الدستور والذي لن يكتب ولن يتم الاتفاق عليه حتى ولو فرضت روسيا نسختها، أو بين بعض الممثلين الأمريكيين والروس، والمؤتمرات التي تعقدها الدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران، ليست سوى روتين سياسي دبلوماسي، فهم في الواقع مختلفون على مصالحهم في سوريا، وليس على ما يجب أن تكون عليه واقع النظام القادم والشعب. وبالتالي المناطق المنفصلة بشكل عملي، ومن بينها المنطقة الكوردية وهي تحت الحماية الأمريكية، ستظل كما هي عليه، مهددة من جهات عدة ومحمية من قبل أمريكا، وهي مرتبطة بقادم سوريا الكارثي، والضبابي ربما حتى لدى الدول الكبرى ذاتها، خاصة فيما لو لم تتمكن الحراك الكوردي من إقناع أمريكا وروسيا على أن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لإنقاذ سوريا من شبح التقسيم.  
الولايات المتحدة الأمريكية
19/9/2021م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…