تركيا تسير على حافة الهاويـة

  ديـــار ســـليمان
 

لا الحكومة التركية تملك الحق في سؤال برلمانها منحها تصريحـآ يخولها هي الأخرى إعطاء الأذن للقوات التركية بدخول أراضي اقليم كوردستان بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكوردستاني ولا البرلمان نفسه يملك الحـق باصـدار مثل هذا القـرار، لان مثل هذا التصريح إذا صدر فهو ممـن لا يملك  لمن لا يســتحـق، فكوردسـتان ليست الحديقة الخلفية لمبنى ذلك البرلمان لكي يدخل أعضائـه في مـزاودات بشأنها، يقررون دخولها والخروج منها متى يشاؤون.

وإذا كانت المسألة في ظاهرها عبارة عن خرق لحدود دول معترف بها، أوملاحقة بعض المتمردين هنا و هناك،إلا أنها في جوهرهـا أصـرار على التعامل مع قضايا حيـة بالعقلية الجامـدة ذاتها.
و التهديدات التركية الأخيرة المترافقة بتحركات على الأرض ليست سوى ردود أفعال على مجموعة مؤشرات تلقفتها تركيا مؤخرآ يفهم منها تراجع دورها و تقلصه رغم الأكلاف التي تحملتها عندما تحايلت على حقيقتها في محاولتها إيجاد موضع قدم في عالم ليس عالمها، لكن هذه المحاولات المستميتة للهـروب الى الأمام كان نصيبها الفشل لانها تمت دون ادنى محاولة للتخلص من القيـود التي تكبلها و تمنعها من التقدم كملف مجازر الأرمن و القضية الكوردية و المسألة القبرصية و حقوق الانسان و حسم خياراتها العلمانية وغيرها من الملفات الشائكة.
 تركيا في جميع ملفاتها هذه، باستثناء ملف الأنضمام الى الاتحاد الاوربي، جـربت كل الوسائل باستثناء وسيلة المفاوضات، لذلك فشلت فيها جميعآ و بقيت جميعها مفتوحة كالجرح الفاغر يستنزف طاقاتها، وحتى في مسألة الأنضمام تلك بقيت تراوح في مكانها، لان هذه القضايا التي لم تعالجها بعد بقيت تلقي بظلالها على هذه المسألة، و أي واحدة منها كاف لوحده لمنع انضمامها إذ لا بد أن تجد من دول الاتحاد من يتبنـاها.

إذآ، كيف لها أن تكون عربة في القطـار الأوربي و هي تحمل كل هذه الأمـراض التي لم تبذل جهودآ لمعالجتها سوى أسلوب الكـي الذي بصـرف النظـر عن عدم جـدواه، غـريب عن أسلوب العصر.
العسكر، الحكومة و البرلمان التركي، هذا الثالوث الذي يشبه مثلث برمودا، حيث ساهم  في إحتـواء مشاكل تركيا وأخفاءها الى حد ما،  يبـدو بأنه قد بدأ يتجه الى إغـراقها، مع محاولة كل طرف تجنب مسؤولية ذلك، لذا نجد مثلآ كل طرف يقذف الى الآخر مسؤولية القرار في الهجوم على كوردستان الى أن حط رحاله في البرلمان، و إذا كان قد سـبق لهذا البرلمان في سيناريو مشابه ان منع قوات الحلفاء من استخدام القواعد العسكرية في تركيا في عملية تحرير العراق و لا زالت تركيا تدفع الثمن رغم محاولة التراجع عن ذلك بناء على رغبة العسكر في وقت لم ينفع فيه الندم، لذلك فالحقيقة هي أن البرلمان التركي و بجميع المقاييس يجد نفسه خلال الأزمة الأخيرة  في موقف لا يحسد عليه.

17.10.2007      

       

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….