طلابُ سلطة أم طلابُ حرية؟

ماجد ع  محمد

من المتوقع أن الكثير منا شبه متيقن بأن مناهضة الأنظمة الشمولية مِن فضائل الإنسان الحر، كما أن مناوأة النظم الاستبدادية من المفروض أن تكون أولوية لدى كل إنسان يؤمن بالحق والعدل والجمال، ولأهمية الأقانيم المذكورة للبشر الأسوياء في هذه الحياة نرى بأن الشموليات في أصلها تعادي هذه الأركان الثلاثة؛ ولكن بالمقابل ليس بالضرورة أن يكون المناوئ للسلطة يتمثل تلك القيم أو أنه سلوكياً أرقى من السلطات التي يعارضها، وذلك باعتبار أن الجهات المسلحة المناهضة للأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط خرجت من نفس البيئة، ونهلت من نفس المصادر الثقافية للسلطات، وجربت التعسف في ظل نفس الجهات السلطوية سابقاً،
 لذا يجب أن يكون الشك بممارسات الأخيرة حاضراً باستمرار لدى المؤمنين بحقوق الإنسان، وذلك باعتبار أنها ما تزال إلى الآن تقتفي أثر من انتفضت عليه؛ كما أن مجموع الأطراف المسلحة المنتفضة على النُظم الجائرة في الدول التى شهدت ثورات الربيع العربي لم تُقدم حسب المتابعين لتحركاتهم في مختلف الميادين إلى الآن أيّ مشروعٍ لائق بتضحيات شعوب المنطقة.
ويبقى الأمر الغريب هو أن ساسة الأنظمة وساسة معارضاتها في بلادنا يحملون نفس اللافتات، ويرددون نفس الشعارات، ويتغزلون بنفس الديباجات، فلربما كان التهافت على نفس الجُمل البراقة والتمنطق بها يأتي من باب المزايدة على بعض، مَن يدري ربما كان المردَّدُ والملتحف به مجرد اكسسوار مكتوب أو منطوق في حضرة الرعية لتسويق الذات أمامها، أو خداعها إلى أجلٍ غير مسمى، وحيث أن هذه الإزدواجية التي يعيشون فصولها تذكِّر القارئ بالذي أشار إليه الكاتب الهنغاري إيمرة كريتس بقوله:” نرى كل يوم العديد من السياسيين يغازلون الحرية، ولكنهم يطارحون الطغيان الغرام”.
ولا ننسى في هذه الوقفة تذكير بعض الذين داهمهم النسيان أو المتناسين في سورية والعراق واليمن وليبيا، بأن الكثير من المدَّعين بأنهم طلاب الحرية والكرامة عندما صارت لديهم مناطق نفوذ خاصة بهم، راحوا كما الأجهزة الأمنية لدى الأنظمة يحرمون الغير مما يطالبون به لأنفسهم، وفوقها يعتدون على حرية الآخرين ويهينون كرامتهم لاختلافهم عنهم، وترى البعض منهم يمارسون جورهم على الغير بنفس آليات الأنظمة وكله باسم الثورة وحماية منجزاتها، ما يشير إلى أن الكثير منهم كانوا بالأصل طلاب سلطة وليسوا طلاب حرية، وأنهم ممن يحملون نفس الصفات الاستبدادية والقمعية النّتنة لدى الطغم الحاكمة في بلادنا، ولكن الظروف ربما لم تسمح لهم حتى الآن ليقوموا بمحاكاة جميع ممارسات المستبدين وطغيانهم.
كما أن السماح للجهات المناوئة للأنظمة بأن ترتكب كل الموبقات والانتهاكات بحق المدنيين في هذه المنطقة وتلك بدعوى أنها تحمي الثورة وتحارب مؤيدي النُّظم الحاكمة، هي نفس الحجج والمعاذير والتبريرات التي قدمها الشعب السوري على سبيل المثال لحزب البعث العربي الإشتراكي طوال أربعين سنة، وبالتالي السكوت عن كل طغيان وجور وفساد نظام البعث الحاكم وجرائمه بدعوى محاربة العدو الإسرائيلي، والذي تبين فيما بعد بأنه كان يحمي تلك الدولة ولا يحاربها!.
عموماً قد لا نكون ملمين بكل ما فعلته السلطات والجهات المسلحة المناهضة للأنظمة في عموم البلاد التي شهدت موجات الربيع العربي، إلاّ أننا بعد متابعة ممارسات معظم القوى المسلحة على الأرض في سورية، تبين لدينا بأن أي سياسي سوري له جناح أمني أو عسكري ويردِّد بلا أدنى حرج كلمتا الديمقراطية والحرية في أحاديثه اليومية كالببغاء، فبعد إمعان المقارنة بين ما يقوله ويتبجح به في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وما يقوم به أنصاره وما يفعلونه حقيقةً في مناطق نفوذهم، تظهر أمام ذلك المشاهِد الذي أمعن المقارنة لوحة كبيرة جداً عليها صورة بهيّة وفي منتهى النضارة لشخصٍ يروِّج لأرقى العطورات الفرنسية، بينما هو عملياً وعلى أرض الواقع جالسٌ على قمة المزبلة!!!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…