… ورحيل أمّ فناننا الكُردي القدير سعد فرسو

إبراهيم محمود
الحزن أشكال وأنواع، والحزن مراتب ومقامات، والحزن أشكال وألوان، والحزن أكثر من اسم تبعاً للحالة والموقف، وليس من نظير لحزن على فقيد لنا. والفقيد بدوره مواقع ومواجع، وليس للحزن على الرحيل الأبدي للأم من نظير بالتأكيد المؤكَّد. حزن منبعه الروح في الصميم، لأنها تهِبُ الروح لوليدها، ليس من توصيف متوفر يحيط بالحزن على فقْدها الأبدي، وقد عشتُه كما عاشه غيري، وكما يعيش وجَعَ هذا الحزن العالي صديقنا الفنان الكردي سعد فرسو، وقد علِمتُ برحيلها الأبدي في الساعة الأخيرة من ليل الأحد( 4-7-2021 ) ومن قبل صديق مقرب، وحين يأتي النعي ليلاً يكون المصاب أكثر إيلاماً، والحزن أعظم إيفادَ وجع ٍ .
ويا لحزن صديقنا الفنان الكردي القدير هذا. حزنه الذي لم ينقطع، وهو يصل ما بين حِدَاد وحداد، حزن يليق بأحبته في الروح العائلية: أخوته في الواجهة، كما الحال مع رحيل أخيه الكبير كاتبنا الكردي دهام حسن. يا لحزنه الذي ينسكن داخله على وقْع حالات الفقد المتسلسلة هذه، بين رحيل أخ وأخ وأخ  وخلافهم وأم يتوّج حزن رحيله أحزانه السالفة دون أن يمحوها، إنما يزيد عمق أثرها عمقاً، وهو يعيش أحزاناً أخرى من حوله، أحزان الحالة البائسة والوضع البائس والقلق القائم، وكلها بدورها قوائم اسمية خاصة لأنساب من الحزن: الحزن الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، والنفسي، تتلاقى في قاسم مشترك واحد يتصاعد ويتنامى هنا وهناك، ليكون الحزن على فوت مطلوب وفقد محبوب، كما يقال، تعبيراً أكثر وطأة مما تقدم، وإيصالاً بالوجع الذي يعيشه، مقرَّه الروح، ومهبطه الخيال الآسر والأثير والمهيب لمن رحلوا، وللأم نسخة خاصة واحدة، تسمّي حزنها، وتلازم أبناءها وبناتها وأهلها المقربين.
نعم، ليس لحزن نزيل فقد الأم من توصيف أو تعريف أو شبيه، إن دقّق في حقيقته. لأن كل ما يصلها يصادق على ذلك .
هكذا الحال توضيحاً: طالما أن الأم حية، يظل أبناؤها وبناتها صغاراً، وإن تقدّموا في العمر، وإن بلغوا في العمر عتياً. حيث ليس من ملجأ يطهّر الروح لدى كل هؤلاء مثل حِمى حضنها، أو واحة صدرها الذي ينفث عبير حنان من قلبها الرحب، ليس من لمسة تمسّد باليد على صدر  أي منهم، مثل لمسة يدها، حتى وإن تناهت في الضعف والهزال، فثمة ما يخفق مؤاساة وحباً لا يُشك في أصالته الأمومية. وحده صدرها العامر بالحب الذي يعمَّر به العالم، يليق به أن يُسمى صدراً آمناً مطمِئناً، مهدئاً،  عقاراً روحياً وحيد اسمه. الصدر الوحيد الذي يُشتاق إليه دون تردد، واللمسة الوحيدة التي يشعر أي منا بقوة سرّية، داخلية، تريح الأعصاب، وتبث حياة تلو أخرى، وما أن تفارق الحياة، حتى يباغَت الأبناء والبنات، بانعطافة صادمة: الشعور بأنهم كبروا فجأة، وزيد في أعمارهم أكثر مما يوصف بالسنين.
نعم، نحزن لرحيل أهلنا وأحبتنا وأصدقاء لنا، ومعارف، نحزن لرحيل أي كان، رحيل أبدي، طالما أنه يذكّرنا بالموت الذي نحن ماضون إليه، أو ماض إليه، أو يسكننا وينهي رصيدنا الحياتي فجأة دون سابق إنذار، نحزن على كل ما يصلنا بالحياة، حين تتوتر حياة، وتكون نهاية كائن حي ما، إن أعملنا فيه ولو القليل من عقلنا، سوى أن الحزن المتعلق بالأم يبقى العصي على التصريف، لأن ثمة أماً واحدة، شعوراً بأنها المظلة الروحية التي تمدنا بطاقة حياتية خاصة. برحيلها يكون حزن الأحزان المرصود، الحزن الذي يشعرنا بفراغ يستغرق العمر المتبقي .
ولا شك أن صديقنا الفنان الكردي سعد فرسو، هو الآن مسربل بالحزن، ويكون نهْب خيالات تبقيه على تماس مباشر بالراحلة الأبدية أمه، إلى جانب أخوته وأخواته وأهله، وأصدقائه ومعارفه، وهم يواسونه، سوى أنه في خضم هذا الحزن الكبير، وبدءاً من الساعة الأخيرة من الليلة الموصوفة، يتداخل سواد مع سواد، مسكوناً بتداعيات الحزن هذا، بما يتناسب وحرارة يد الأم في برد الليالي القارس، وصوت الأم المهدّىء في ساعات الضيق والتوتر، يعيش إخلاص الإبن للأم التي عاشت لأبنائها وبناتها، ووهبتهم ما استطاعته وداً وحباً ودعاء مستمراً بين آناء الليل وأطراف النهار بالنجاح والفلاح، بالصحة والعافية، والذكْر الحسن. ولا أظنني مخطئاً في التعبير، إن أشرتُ إلى صديقنا ” أبو ميران” في حزنه التموزي اللهاب الكبير  هذا، وهو الفنان، وهو المقدّر لنبرة كل كلمة، وكل إيقاع روحي، وبحة الحزن العلامة الفارقة للصوت ومرجعيته في الروح، ولكم أعظّم فيه هذا الحزن الدال على صواب فعل الابن البار على رحيل أم لا تعوَّض طبعاً.
العزاء العائلي والأهلي والودي لصديقنا الفنان الكردي سعد فرسو، لأفراد عائلته، لأهله فرداً فرداً، وأحبته فرداً فرداً ، وكل ما شاركه عزاءه قريباً أم بعيداً، وكلنا أمل أن يصبح هذا الحزن فاعل حياة وارتقاء في الحياة أكثر فأكثر له ولأهله وأحبته .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…