المستقبل للديمقراطية وحقوق الإنسان والإحصاء سيصبح مشروعاً من الماضي

  افتتاحية جريدة الوحدة (YEKÎTÎ)*

لم يعرف تاريخ العلاقات بين الدول ومواطنيها حالة مشابهة لما أقدمت عليه السلطة السورية عام 1962من تجريد بالجملة لعشرات الآلاف من الكرد بحجة التسلل من دول الجوار، تلك الذريعة التي يدحضها العقل والمنطق لان الناس يهاجرون عادة وينتقلون بحثا عن حياة أفضل، وان المجردين من الجنسية كان يفترض بهم العودة إلى حيث أتوا، إذا كانوا فعلاً من المتسللين، بدلاً من إصرارهم على البقاء في بلدهم وبين بني قومهم وتوريث الحرمان من الجنسية، وما يترتب على ذلك، لأبنائهم وأحفادهم، حيث يقارب عدد الضحايا حالياً النصف مليون إنسان، يدفعون ضريبة الدم القومي، ويقاومون شراسة الهجمة الشوفينية التي تسد عليهم أبواب الحياة الكريمة
مما يضطر العديد منهم إلى الهجرة، سواءً الى ضواحي المدن الكبرى في الداخل، أو إلى أوربا لاكتساب جنسية بلدانها، والعيش على المساعدات الإنسانية فيها.

ومع بقاء مشروع الإحصاء هذا بدون حل منصف، ومع إصرار الشوفينية على تكبيل شعبنا الكردي بالمزيد من المشاريع المشابهة بهدف صهره قومياً،وإنهاء دوره وطنياً، واغتصاب حقوقه، فإن الوقت قد حان لتتلمس كل القوى الوطنية في البلاد الحقيقة الكردية، التي لا يمكن إنكارها للأبد، ولتدرك بأن اضطهاد الشعب الكردي لن تنحصر آثاره على الكرد فقط، لأن الوطن سيكون هو الضحية في النهاية لأن من يضطهد شعبا آخر لن يكون مخلصاً لأبناء شعبه، بل انه يرمي من وراء ذلك تضليلهم وتحويل أنظارهم عن حقيقة ما يجري من استغلال لجهودهم وتلاعب بعواطفهم ومشاعرهم القومية.

كما حان الوقت لطرح سؤال من المستفيد من إبقاء ما يقارب النصف مليون إنسان كردي سوري محرومين من الجنسية؟.

وماذا يضير الوطن استعادتهم لها لكي يستعيدوا معها شعور الانتماء وما يتطلبه من واجبات وطنية ويتحرروا من حالة الاغتراب التي أحاطت بهم منذ عشرات السنين؟.

وماذا تريد السلطة من مماطلاتها في تنفيذ وعودها المتكررة بحل جزئي؟.

وحان لها أيضا الكف عن المساومة على حقوق مواطنين أبرياء كانوا ضحية للسياسية الشوفينية.

من حقهم الآن، ليس فقط استعادة جنسياتهم، بل إنهم يستحقون اعتذاراً لهم عما أصابهم من ظلم وتعويضاً عما فقدوها من حقوق، نتيجة لمشروع عنصري جائر يعتبر وصمة عار في جبين الوطن، أساء لسوريا ولماضيها الحضاري، وعلينا جميعاً أن نحمي مستقبلها من مثل هذه المشاريع العنصرية، لكي تكون سوريا لجميع مواطنيها ومكوناتها القومية والدينية، وان يكون الولاء لها هو أساس المواطنة الحقة المبنية على التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات.
  إن هذا المشروع سيكون مصيره الاندحار، شاء ذلك أصحابه أم أبوا، لأنه يتنافى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان ويتعارض مع التطورات الجارية في العالم، وخاصة بعد تصاعد حجم المعارضة الداخلية والضغوط الدولية.

وان السلطة لن تفيدها محاولات اختزال القضية الكردية في هذا المشروع، لأن تلك القضية مرتبطة بإرادة شعب له حقوق سياسية وثقافية واجتماعية يجب الحصول عليها ، وبناء مستقبل بعيد عن مشاريع الشطب والتجريد والحرمان….

* الجريدة المركزية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)– العدد (170) أيلول 2007م- 2619 ك 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…