رؤية بخصوص مفهوم حق تقرير المصير للشعب الكردي

نزار بعريني
بمناسبة أحتفال الكرد السوريين بعيد النيروز ، أعتقد أنّها مناسبة وطنية كبيرة للتأكيد على روابط، وعلاقات الوحدة الوطنية بين الكرد والعرب؛ خاصّة في هذه الظروف الراهنة، حيث تعمل أسباب عديدة على تأجيج مظاهر صراع قومي بين السوريين، بما يهدد وحدة سوريا الجغرافية، وسيادتها الوطنيّة ؛ عبر تقديم التهاني للأخوة الكرد الذين يحتفلون بهذه المناسبة القوميّة ، التي تحمل قيم الحريّة ، والتحرر الإنساني والإجتماعي والوطني ، فكلّ عام وجميع السوريين ، كردا وعربا وغيرهم ، بخير ، وعلى أمل متجدد بتحقيق أهداف الحريّة والعدالة.
من المفيد لجميع السوريين أغتنام هذه الفرصة العظيمة للإشارة ، والتنبيه ، من المخاطر الكبرى التي يمكن أن يحملها التفسير ” الغير وطني” لمفهوم حق تقرير المصير للشعب الكردي، على قيم الحريّة والعدالة ، و أهداف التغيير الديمقراطي، التي يناضل من أجلها جميع الشرفاء السوريين ، كردا وعربا .
بداية ، يجب التأكيد على أنّ ” القضية الكردية هي من أهمّ ، وأخطر القضايا الوطنية السورية، مما يوجب إيجادَ حلٍ عادل ديموقراطي ودستوري لها، يعترف من قبل الجميع ، بالحقوق القومية الثقافية والاجتماعية المشروعة للوجود القومي الكردي، وللجماعات القومية المختلفة في سورية، كجزء أصيل وتاريخي من النسيج الوطني السوري، ضمن إطارِ سيادة سورية، الدولة الديمقراطية الوطنية، ووحدتها أرضاً وشعباً”.
أعتقد انّ “جوهر الأزمة” ، الحالية في العلاقة بين الكرد والعرب يتجسّد في اختلاف وجهات النظر ، وما ينتج عنه من تناقضات، في الممارسات الثقافيّة و السياسيّة ، في رؤية الجوانب المختلفة لمبدأ “حق تقرير المصير ” ؛ خاصّة اسباب الأزمة المباشرة ، خلال سنوات الحرب العجاف ، التي نتجت عن ممارسات القوى الإنفصالية العربيّة والكرديّة، في سياق الأدوار الوظيفيّة التي تلعبها لحساب قوى الثورة المضادة، محليّا وإقليميا وعالميا، وعلى حساب أهداف المشروع الديمقراطي للشعب السوري، وحقوق جميع السوريين . 
ضمن هذا الإطار ، من المفيد جدّا التذكير بالقراءات المختلفة لمفهوم حق تقرير المصير ، التي ظهرت تاريخيّا ، و تبرز راهنا ، وتتكثّف في جانبين متناقضين : 
في حين يرى البعض في جانبه الأوّل تبريراً ، وشرعنة، وغطاء قانونيّا ، دوليّا ، وإيدولوجيّا (وفقا “لقرارات الشرعية الدولية وحقوق الإنسان ” ، ووفقا لمبدأ” حق تقرير المصير اللينيني”)، بالإنفصال عن جسد الوطن الأم ، والسير على طريق بناء مؤسسات الدولة المستقلّة ، بما يجعل منه غطاء لأهداف مشروع انفصالي ، ويسوّغ سياسات القوى الساعية لتحقيقه ، ويشكّل فرصة لتدخّل إقليمي ودولي، لحساب أجندات مختلفة، تتناقض في مجموعها مع مقومات المشروع الديمقراطي للشعب السوري، ومقومات السيادة الوطنية ومبدأ قيام دولة سوريّة موحّدة ؛ ترى في جانبه الثاني ، في فهمه ” الديمقراطي “، للقوى الديمقراطية الوطنية، عربا وكرد ، مبدأ للإعتراف السياسي والثقافي؛ في إطار الإعتراف بحقوق المجموعات القوميّة ، وعلى صعيد البنيّة الدستوريّة التشريعيّة ؛ بحقوق الكرد القوميّة المشروعة ، على غرار العرب ، وجميع القوميات التي تشكّل النسيج الاجتماعي للشعب السوري ، بما يجعل منه ، في ظروف نضال السوريين الراهن والمستقبلي لإنتزاع حقوقهم السياسيّة الديمقراطيّة المشتركة ، التي تحتلّ موقع الأولويّة الرئيسيّة ، مدخل ،و أداة، ودافع ، لتوحيد جهود جميع السوريين من أجل فرض انتقال ديمقراطي سلمي للسلطة السياسية، والسير على طريق بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية ؛ البيئة الضامنة لحقوق الجميع ، أفراداً ومجموعات، وفي مقدمتهم الكرد السوريين. 
من نافل القول أنّ حلّ مأزق العلاقة بين الكورد والعرب، وإزالة المظالم ، وبناء بيئة آمنة ، وضامنة لحقوق الجميع لايمكن أن تتحقق ، كما تؤكّد تجارب الكرد” الإستقلالية ذاتها ،” إلّا بقيام أنظمة ديمقراطية ، مدنيّة ، حديثة ، وبما يجعل من بناء دولة القانون ، الديمقراطية، التي تساوي بين المواطنين ، على أساس الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن أيّ اعتبار آخر ، لاقومي ولاطائفي ولا اقليمي ولا عشائري ، اولويّة رئيسيّة ، ويحيل بقيّة المهام المرتبطة بالهويّات ما قبل ” الوطنيّة ” إلى مرتبة الأولوية الثانوية ، التي تنال في إطار صيرورة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الوطنية ، وعلى جميع الصعد، ” كلّ الإحترام والحق لها بالبقاء والتفتّح والتطوّر والنضج، وإزالة كلّ العقبات من امام طريق تمتّع أفراد كلّ مجموعة بكامل حقوقهم الإنسانيّة”.
وكلّ عام وجميع السوريين الشرفاء بخير. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…