حزب العمال الكُردستاني يصدر عفو عام عن تنظيم داعش

حسين جلبي
لعل آخر النكت السوداء في المناطق الكُردية السورية، على هامش مآسي العوز والأزمات والقمع والهزائم والمقابر و”مفاوضات وحدة الصف الكُردي”؛ هي تلك التي أطلقتها القيادية في حزب العمال الكُردستاني إلهام أحمد، وقالت بأن “اتفاقاً عُقد بين مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية”، ينص على إطلاق سبيل المنتمين السوريين إلى تنظيم داعش؛ من مخيم الهول القريب من الحسكة حيث يحتجزهم حزبها، والإبقاء على الأجانب منهم.
والمثير للسخرية أكثر من غيره، هو أن من يستمع للقيادية المذكورة وهي تعلن عن الاتفاق العظيم “الذي أدخل ولا شك فرحة كُبرى إلى قلب كل كُردي وخاصةً من ضحايا داعش”، سيظن بأن “مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية” ليسا جهة واحدة من ملحقات حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزبها، بل قوتين عظيمتين على مستوى عالمي، خاضتا مفاوضات شاقة حتى توصلتا إلى الاتفاق، وستطلبان بناء عليه من “المجلس التشريعي”، الذي لا يقل شأناً عن الأمم المتحدة، اصدار “عفو عام” عن الدواعش.
أما المثير للحزن، إذا كان في المنطقة وقلوب الكُرد مكانٌ للحزن بعد، فهو مصير العدالة للذين قتلوا بأيادي عناصر تنظيم داعش، وأولهم بضع مئات من المدنيين الكُرد، قال حزب الاتحاد الديمقراطي بأن التنظيم قتلهم خلال مجزرة ـ لا زالت غامضة ـ ارتكبها في كوباني، وانطلق على أساس الثأر لهم وابعاد خطر التنظيم، في ملاحقته خارج المناطق الكُردية السورية، الأمر الذي أدى إلى مقتل عشرات آلاف المقاتلين الكُرد فوق ذلك، وقد قبض الحزب عن دمائهم مالاً كثيراً، إلى أن وصل عناصره تحت الضغط إلى مخيم الهول، معززين مكرمين، يقوم الحزب على تقديم الخدمات لهم والصرف عليهم من بيع منتجات آبار النفط التي يقوم بحراستها، مع إطلاق سراحهم على دفعات بداعي عدم تلوث أياديهم بالدماء، وبناء على وساطات عشائرية كما كان يقول في كل مرة.
في الواقع لا يمتلك الحزب قرار نفسه، فكيف بالتصرف من تلقاء نفسه في ملف خطير مثل مصير تنظيم دواعش، والأمر لا يخرج عن أمر تلقاه من الجهات التي تدير ملف التنظيم، إلا أنه من غير من المعلوم الهدف من هذه الخطوة الكبيرة، التي تدخل كما يبدو في انهاء ملف داعش وتمزيق أوراقه، كما أن من غير المعروف ما سيتبقى لحزب العمال الكُردستاني بعد ذلك من عمل، وهو الذي دخل في مفاوضات مفاجئة مع المجلس الوطني الكُردي بعد أن استغنى الجميع عن خدماته، ويبدو بأنها ـ أي المفاوضات ـ تدخل بدورها في إغلاق ملف الحزب في المنطقة وإزالة كل ما يدل على وجوده فيها، بعد أن أدى ما عليه، خاصةً في ملف الحفاظ على وجود نظام الأسد في المنطقة ومحاربة تنظيم داعش.
لقد أصبح جماعة “الإدارة الذاتية” يعيشون تهميشاً ما بعده تهميش، بعد أن أخذ الجميع منهم ما يريد ولم يعد هناك شيء يمكن تكليفهم به، وهو الأمر الذي دفعهم إلى تذكر كُرديتهم، والالتفات إلى المجلس الوطني الكُردي للتلحف به، لعلهم ينجحون من خلاله في عبور مرحلة العطالة هذه. لكن الفراغ والتهميش وعدم الاعتراف دفعهم أيضاً، إلى تكريم أنفسهم بأنفسهم، وآخر التكريمات كانت الإعلان عن عقد اتفاق مع أنفسهم، ينص على منح عفو عام عن تنظيم داعش، الذي ستبقى مقابر الكُرد شاهداً حياً عليه. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…

اكرم حسين يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية ، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة ، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية ،…

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….