الشوفينية أم التطرُّف…عن النظام السوري والمعارضة أتحدّث

نوري بريمو
إنّ سياسة التمييز العنصري والإضطهاد الشوفيني والتعالي الأكثري (قومي أو ديني أو طائفي أو جنسي…إلخ) هي بحدّ ذاتها هوجاء ورعناء وأم للتطرف بعينه، وهي تكبُّر فجّ ومكابرة ضارة ولم تنفع أحداً حتى الآن ولن تجدي نفعاً لأية جهة سواءً أكانت أكثرية مضطهِدة أو أقلية مضطهَدة، وبناء عليه يترتب على مواطني الأكثرية السكانية في بلدان كثيرة من منطقتنا كالعراق وسوريا وتركيا وإيران ومثيلاتها من الدول المتعددة الأعراق والأطياف، أنْ لا يتعالوا على جيرانهم من الشعوب الأخرى كالكرد الذين ظلمتهم المصالح الإقليمية والدولية وأجحفت بحقهم وقامت بتقسيم وطنهم كردستان إلى أربعة أجزاء وشاءت أقدارهم بالعيش في ديارهم التي ورثوها آبائهم وأجدادهم كأقليات قومية في هذه الدول التي تشكلت جيوسياسياً على حساب جغرافية بلاد الكرد التي تحوّلت مع الزمن إلى سجون جماعية تهضم حقوق أهلها وتحاول صهرهم في بطون الأكثريات الطاغية بشكل شوفيني على هذه البلاد والعباد.
وبهذا الصدد فإنّ عقلية الاستبداد التي تحولت إلى كوابيس ظلماء وقاتمة فوق رقاب شعوب منطقتنا التي يبدو أنها قد تجرثمت أفكارها بجرثومة تكبُّر الإنسان على أخيه الإنسان والتلذّذ بقهره وصهره في غياهب الحماقات الشوفينية التي باتت حاكمة للبلاد في ظل غياب خصال حميدة كثيرة كصلة القربى وحسن الجوار والتسامح والحوار والتوافق مع الشركاء، قد أعادتْ النمطية البدوية في التعامل مع الآخر إلى معظم بلداننا التي تحوّلت في هذه الأيام إلى ساحات مستباحة لمختلف الحكام المستحكمين بمصائر الآخرين لا بل المتكبرين على جيرانهم والذين فيما يبدو أنّ بالهم العنصري لن يهدأ ما لم يدحرجوننا إلى هاوية التصارع الشعوبي البيني إلى ما لا نهاية من السنوات القادمة.
وأما عن معاناة الشعب الكردي في كردستان سوريا التي تم إلحاقها بالدولة السوريا التي تشكلت قبل مئة عام فقط بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فحدِّث بلا حرج لأنّ كل الحكومات التي تعاقبت على حكم سوريا لم تعترف بالوجود الكردي كثاني أكبر قومية في سوريا وتعاملت بشكل شوفيني أرعن حيال المواطنين الكرد حيث طبّقتْ مختلف مظاهر التمييز القومي وتلاحَقَت مسلسلات تعريب المناطق الكردية وتواصَلَ الإضطهاد العرقي وتم تطبيق قوانين عنصرية كالإحصاء الإستثنائي والحزامي العربي وغيره من المشاريع والتدابير التمييزية التي قصمتْ ظهر شعبنا الذي جرى تجويعه وتشرّد من دياره وذاق ولا يزال يذوق الأمرّين.
والأنكى من ذلك كله هو أنّ معاناة شعبنا الكردي في سوريا لا تقتصر على إكتوائه بنيران السياسات والإجراءات الشوفينية التي يتبعها النظام بحقه فحسب، وإنما تتعدّى ذلك لتشمل وتتجسّد بإصطدامه بمغبّة التفكير الأكثري والسلوك القوموي لبعض أطياف المعارضة السورية أيضاً، ولعلّ خير دليل على مانقوله هو الممارسات الشوفينية التي يرتكبها معظم مقاتلو فصائل المعارضة المسلحة في المناطق الكوردية التي يسيطرون عليها حالياً كـ (عفرين ورأس العين وتل أبيض) حيث يفرضون أنفسهم كسلطة أمر واقع ويمارسون أساليب قمعية وهوجاء وأشبه ما تكون بالغزو والإغارة وهدر الدماء ويتعبرون الأهالي الكرد المتمسكون بأرضهم رغم الصعاب والمخاطر كغرباء وفي أحسن الأحوال كمواطنين من الدرجة العاشرة ويستولوا على أملاكهم وينهبوا أموالهم ويُسْكِنوا العرب في ديارهم ويُواصلوا إجراء التغيير الديموغرافي الممنهج لصالح الأكثرية العربية في هذه المناطق بالقوة عبر تهديد وترهيب المدنيين الكرد بدون أي رادع يردعهم بإعتبارهم مازالوا مصنّفون في عداد المعارضة المحكومة وليس النظام الحاكم.
وفي الختام وبعد مرور أكثر من تسع سنوات على الأزمة السورية العالقة بمنتهى العنف والحدية حتى الحين والتي تكاد تودي بالبلد إلى خيار التقسيم، فإنّ مقولة “الشوفينية أم التطرُّف” هي واحدة من الأقوال المأثورة التي ينبغي على النظام السوري وبعض اوساط المعارضة السورية الاستئناس بها واستخلاص العبر من مغزاها وترجمة معانيها بشكل عملي وبلا أي تمييز وفي شتى الميادين ومختلف المناحي، خاصة وأنّ شعبنا الكردي الذي يعتبر نفسه شريكا في البلد قد ملّ وسئمَ من كثرة المآسي والحماقات التي إرتُكِبَتْ بحقه والتي باتت نقمة ما بعدها نقمة على أجيالنا الحاضرة والقادمة التي ينبغي أن تهنأ بحياة ملؤها الأمن والاستقرار والتعايش السلمي في كنف دولة تعددية فدرالية ذات فضاءات ديمقراطية يسودها العدل والحق والقوانين التي تحترم حقوق الأفراد والأمم والتي من شأنها إنصاف مختلف آدميي سوريا بغض النظر عن إنتمائاتهم القومية والدينية والطائفية.
14 ـ 5 ـ 2020 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…