المبادرة الأمريكية للتوافق الكوردي- الكوردي..

م. محفوظ رشيد 
بالرغم من التفاهم الضمني والمسبق بين أمريكا وروسيا بحضور إسرائيلي حاسم بشأن إدارة الأزمة في سوريا، فإن كل  طرف منهما يسعى لإعداد وتجميع أوراقه انطلاقاً من مصلحته القومية كدولة لاستخدامها في مراحل تطبيق الحل النهائي الذي تظهر بوادره قريبة.
    وبالتوازي مع محاولات روسيا لتوسيع مناطق نفوذها انطلاقاً من اتفاقيات “أستانا” واستناداً إلى شرعية تدخلها بموافقة النظام السوري من خلال زيادة تواجدها العسكري والسياسي.. في مناطق شمال شرق سوريا، فإن أمريكا تثبت حضورها بكل الأشكال وذلك عبرإحكام سيطرتها على منابع النفط وتمكين الادارة الذاتية القائمة وتوسيعها لفرضها كشريك أساسي في تحديد شكل سوريا المستقبل إلى جانب عملها على باقي الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية.. مثل تمديد العقوبات وتطبيق قانون قيصر..
    فالمبادرة الأمريكية للتوافق الكوردي- الكوردي نقطة إرتكاز لضمان نفوذها في سوريا والعراق والمنطقة ككل، وتحكمها بآليات وأدوات الصراع مع القوى العظمى في العالم، لذلك نتلمس الجدية والجدوى في إنجازها، ولقاءات ممثلي الإدارة الأمريكية (وليام روباك ونائبته) مع جميع الأحزاب والأطر بشكل رسمي ومعلن، وتنظيم الحوارات الجارية ورعايتها، وتصريحات مسؤوليها على وسائل الأعلام (جيمس جيفري) تؤكد على اصرار أمريكا على تحقيقها إلى جانب  الدعم والتنسيق الذي تتلقاه على الأرض من حلفائها الأوربيين فرنسا وبريطانيا..
     أعتقد أن المبادرة الأمريكية تهدف إلى تجميع كافة القوى الكوردية على طاولة واحدة لتوحيد صفوفها وخطابها وتهيئتها ككتلة كوردية لتصبح بيضة القبان في العملية السياسية خلال المرحلة القادمة من مفاوضات الحل النهائي بين كافة الأطراف السورية الفاعلة على الساحة  التي ستؤطرغالباً في ثلاث محاور (نظام، معارضة أي الهيئة العليا للتفاوض، الإدارة الذاتية أي قسد)، وبدء الحوار بين PYD  و  ENKSأمر منطقي وضروري لأن الخلاف الرئيسي يكمن بين القطبين الكوردستانيين الأساسيين المتنافسين، ولا بد من إزالته قبل إشراك بقية الأحزاب والمكونات الأخرى من المجتمع الكوردي.
    إن تركيا دولة ذات وزن في المعادلات الإقليمية والدولية، وعضو في الحلف الأطلسي NATO  ، وتمتلك أوراقاً قوية وذات أهمية في الأزمة السورية من خلال احتضانها للمعارضة السورية (السياسية والعسكرية..) وإيوائها للملايين من اللاجئين السوريين، واحتلالها لمناطق كثيرة من الشمال السوري، إضافة إلى تعاملها المميز والحذر والممانع مع الملف الكوردي لاستثماره كورقة ضغط ، كونها من الدول المقتسمة لأكبر جزء من كوردستان شعباً وأرضاً..
    وهذه العوامل وأخرى مجتمعة تفرضها كلاعب وشريك في الحل السوري، ما لم تتفق أمريكا وروسيا بتحييدها وإخراجها بطريقة أو بأخرى من الساحة على غرار إيران، وحصر الحل بينهما.
    لتطبيق الحل النهائي لا بد من إضعاف كافة أطراف الأزمة السورية (الاستراتيجية الأمريكية المعروفة والمعتادة في حل الأزمات)، وذلك من خلال ممارسة الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية… لحملها على القبول بالتفاوض على أساس التنازلات والتوافقات  المتبادلة كما تمليها القوى العظمى النافذة ووفقاً لاتفاقاتها وتفاهماتها، وهذا ما يحدث بالفعل على الواقع وبشكل مخطط ومبرمج بالنسبة للمعارضة والموالاة على حد سواء، والحديث عن عزل الرئيس الأسد يندرج تحت هذا العنوان.. 
    منذ إعلان المبادرات الدولية إبتداء من الفرنسية وانتهاء بالأمريكية لتحقيق التوافق الكوردي- الكوردي تسعى تركيا لنسفها كما فعلت سابقاً في إجهاض اتفاقات هولير 1 و2 ودهوك بين المجلس الوطني الكوردي   ENKS ومجلس غربي كوردستان أي الإدارة الذاتية (PYD) للحؤول دون تحقيق إجماع كوردي فاعل ومؤثر ولمنع تحقيق أي مكسب قومي كوردي على غرار كوردستان العراق، فإن تركيا تلوح بضم رابطة المستقلين الكورد للائتلاف كمنافس أو بديل مرتقب للأنكسي بمثابة ضغط لمنعه من الحوار مع ال PYD، وكذلك للحفاظ على الائتلاف كاطار أساسي ومحوري للمعارضة وشامل لكل الأطياف السورية وبخاصة الكوردية منها، ليبقى بطاقة رابحة تبرر تدخلها وتشرعن حضورها في الشأن السوري، وقد نفذت بالأمس تهديدها بعد أن لاحظت حدوث تفاوض ثم اتفاق برعاية أمريكية.
========== انتهى ==========
11.05.2020

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…