إلى كل مَن استبصر في وفاة ابنتي «ميديا مستو» بعقل معفّن

خاص ولاتي مه
لا شكّ أنني أتمنّى الخير والسلامة لكلّ الناس، وأطلب الراحة والعودة إلى الاحتماء بالعقل والضمير الحيّ لكلّ السلبيين والخطّاءين، إن أحداث هذه القصة التي سأسردها هنا هي أحداث واقعية، عايشتها، وأعيش معها أنا وعائلتي حتى الآن.
منذ تاريخ 13 أيار / مايو لعام 2017م وقلبي وقلب عائلتي لا زال مكتوياً بنار الألم والفراق والاشتياق والحسرة، على وفاة ابنتي وياسمينة روحي المغفورة لها «ميديا مستو»، التي توفيت داخل المنزل وهي ذات الخمسة عشر ربيعاً؛ جراء تسريب مواد كيماوية سامة من إحدى المصانع التركية المجاورة في حي «جاي محللسي – اay Mahallesi» الذي أقيم فيه بمدينة مرسين.
إلى كلّ عزيز صادق صاحب ضمير حيّ وروح إنسانية:
قبل وفاة ابنتي بشهرين، كنّا نشمّ روائح كيماوية حادّة على أعضائنا التنفّسية، تقلقنا بين الفينة والأخرى، في حي جاي محللسي. لقد قمنا مع مجموعة من جيراننا ممَن يشتكون أيضاً من تلك المواد بتقديم شكوى إلى بلدية «أكدنيز – Akdeniz»، وعلى أساسها جاء موظّفون من البلدية لحلّ القضية، لكن دون فائدة مرجوة.
ويوم الحادثة، كانت الرائحة قوية جدّاً، حيث دخلت يومها إلى المرحاض – التواليت، ومن بعدي دخلت ميديا، وبقيت فيه مدّة، إلى أن شعرنا أنه لم يعد يصدر منها أيّ صوت أو حركة، وبعدما كسرنا الباب لإخراجها، وقعت ابنتي البكر «رويا» بالقرب منها؛ متأثرة بتلك الروائح القوية.
أسعفنا ميديا ورويا إلى مشفى «شاهير»، لتخرج رويا من المشفى مساء، بعد غسيل في المعدة، ولتبقى المرحومة ميديا في العناية المشدّدة، أسبوعاً كاملاً، أسبوعاً من البكاء والقهر والخوف والألم، لتتوفّى بعدها؛ لأن السمّ كان قوياً، فقضى على كامل أعضاء جسمها.
لقد تم استدعائي – بعد وفاة ميديا – من قبل القاضي؛ لاستجوابي بشكل نظامي، لأني كنت قد قدّمت شكوى رسمية ضد المصنع، وسألني عن مجريات الأحداث، أخبرته حرفياً بأنني لن أتنازل عن دعوتي وحقّي ودم ابنتي.
قامت جهات مختصّة في الطبّ الشرعي بتشريح الجثّة؛ ليعرفوا سبب الوفاة، إلى أن خرج تقرير من الطبيب الشرعي يقول فيه أن السبب هو ذاك السمّ.
بعد فترة تبيّن لنا وللحارة شيء آخر، كان شيئاً خطيراً، هو أن المصنع كان يستعمل السم لأغراض غير مرخّصة لم نفهمها، وعن طريق المجاري الصحية كان قد وصل السم إلى الحارة ومنها إلى بيتنا.
إن جميع مَن في الحارة كان يشتكي من المصنع وأصحابهم، لكن ولأن الفقراء كانوا يسكنون في الحي فلم تكن الدولة قد تمنحه اهتمامها الإنساني ورعايتها الخدمية، خاصة وأن الأحياء الفقيرة مليئة بهكذا نوع من المصانع.
أحياناً كانت هناك حالات فجائية تنقل إلى المشفى؛ نتيجة اختناق أو سعال مزمن، جراء تسريب تلك الرائحة، حتى صارت معنا فوبيا مزمنة من المصنع وكلّ مصنع كيماوي كنا نلتقي به.
وكّلت محامية وتدعى السيدة «سراب آنكاي – Serap Angay»؛ للأخذ بحقّي ومتابعة دعوتي، وتبيّن لنا أخيراً وبقرار قضائي من المحكمة أن المصنع هو المتسبّب الرئيسي في وفاة ابنتي، وأن إدارتها ستدفع جزاء فعلتها وانتهاكاتها.
ميديا، الفتاة الخلوقة المهذّبة المحبوبة الجميلة، صاحبة روح نقي، كان الجميع يحبها ومتعلق بها، لدرجة أنني كرمى عينيها وكرمى اشتياقي لها، أزورها في مقبرة مرسين كلّ أسبوع مرّة أو مرّتين، أسقي ورودها وشجرة تُوتِها.
أخيراً، وربّما القارئ سيسأل عمّا أريد قوله، إن الغاية من سرد هذه القصّة الموجعة التي مضى عليها ثلاث سنوات هو ليعلم كلّ مَن استبصر بعقله العفن وروحه الخبيثة وقلبه النابض بالأمراض المجتمعية البالية، وشكّك دون ضمير أو أخلاق بمجريات حدوثها أن الوفاة جاءت نتيجة تلك الأسباب المذكورة آنفاً. 
ياسين مستو أبو دجوار
مرسين – تركيا
13 . 05 .2020

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…