في ذكرى مجازر الأرمن

حزني كدو
يصادف اليوم الذكرى السنوية لمذبحة الأرمن في تركيا حيث يعتبر يوم 24-04-1915م بداية لمجازر الأرمن ، ففي مثل هذا اليوم اصدر الحكام العثمانيين الأوامر للشباب ومن بينهم الرؤساء جمال باشا ،أنور باشا وطلعت باشا بجمع جميع مثقفي الأرمن في اسطنبول وطردهم ومن ثم تهجيرهم إلى خارج الامبراطورية حيث تم قتل الكثير منهم في ذاك اليوم الذي يعتبر بداية ابادة جيل كامل من مثقفي الأرمن في ذاك الوقت.
وبينما كنت اقرأ في الصحافة التركية اليومية لفت انتباهي قصة كان يرويها الصحفي الأرمني التركي “هرانت دينك” الذي كان يصر على اعتراف تركيا بمذابح الأرمن وكشف الحقائق ، والذي كان يرد على أصدقاءه الذين كانوا يحذرونه من الاغتيال” بأنه حمامة من حمائم السلام ولا يمكن لاحد ان يغتال حمامة السلام ” ولكن الحقد القومي الأعمى دفع بسامسانت التركي ان يغتال حمامة السلام أمام دار أغوس للنشر الذي كان يعمل فيه هرانت دينك . وبعد محاكمة تركية صورية صدر الحكم بان المتهم سامسانت قام بالجريمة لوحده وهو تصرف شخصي . 
اما القصة وشبيهاتها فكان هرانت يرويها في كل يوم 24 -4 من كل عام وفي مناسبات أخرى عدة .
واليكم القصة ” لقد اتصل بي رجل تركي عجوز من قرية تابعة لمنطقة سيواس قائلا ، بني ! لقد بحثنا في كل مكان عنك حتى حصلنا على رقمك… هناك سيدة عجوز هنا وأظنها من أبناء شعبك.. لقد قضت هذه السيدة نحبها وسلمت الروح ، فهل تستطيع ان تجد أحد من اقاربها أو سنضطر إلى دفنها هنا بيننا حسب الطقوس الإسلامية . لقد أعطاني هذا الرجل الطيب اسمها وعمرها, انها بياتريس وتبلغ من العمر السبعين وهي جاءت من باريس في زيارة لتركيا، فقلت حسنا يا عم، فقط امهلني دقائق من الوقت حتى ألقي نظرة من حولي، وفعلا بعد عشرة دقائق من الوقت وجدت قريبة حميمة للسيدة العجوز ونعرف بعضنا حيث عددنا أصبح قليلا هنا ! ذهبت إلى متجر السيدة وسألتها هل تعرف هذه السيدة ؟التفتت إلي المرأة وهي في منتصف العمر، هذه السيدة هي أمي , “انها امها قلت في نفسي “… نعم انها أمي وتعيش في فرنسا، وهي تأتي إلى تركيا ثلاث أو أربع مرات خلال السنة وفي آخر زيارة عابرة إلى اسطنبول مؤخرا فضلت أن تذهب مباشرة إلى القرية التي كانت تعيش فيها في أول عمرها. تجمدت في مكاني…. ولكن لا بد من مصارحتها بالحقيقة المرة وبالخبر الحزين …نظرت إلي ثم غادرت فورا إلى القرية وهاتفتني في اليوم الثاني من هناك قائلة…لقد شاهدت أمي ميتة لكنها مبتسمة …ثم أجهشت في البكاء ،رجوتها وتوسلت إليها أن لا تبكي … حيث لا أستطع تحمل بكاء سيدة …ثم سألتها هل نقوم بمراسم الدفن هنا في استنبول ؟ قالت , أخي! كنت أنوي دفنها في اسطنبول …لكن هنا أحد الاعمام … ثم أجهشت بالبكاء واعطت الهاتف إلى العم . لقد غضبت كثيرا وتأثرت من طريقة بكاءها على الهاتف ثم صرخت في وجه العم … قائلا لماذا جعلتها تبكي ؟ حسنا ، بني ! لم أقل لها أي شيء …فقط قلت لها…انها أمك …دمك ولكن إن طلبتي رأي …دعيها تمكث هنا بسلام …دعيها تدفن هنا … المياه تسيل وتتدفق وتجد طريقها.
“و يقول هرانت “أخذتني العبارة بعيدا في تلك اللحظة ، لقد فقدت صوابي ثم وجدت نفسي في هذه العبارة التي يترددها أهالي الأناضول ، في الواقع المياه تسير وتسيل وتجد طريقها ” فعلا انها قصة حزينة ووقعها مؤلم لا سيما إذا كان راويها هرانت دينك. المنبر الحر نفسه ، ثم انها تختزل تاريخ شعوب عديدة ذاقت صنوف العذاب وتخبرنا الكثير من المعاناة والاوجاع والمأسي التي عاشها شعوب الاناضول وهذه القصص كثيرة والايام القادمة سوف تكشف المزيد من التراجيديا التي عاشها الأرمن والآشوريين وكذلك الكورد تحت ظلم الإمبراطورية العثمانية والجمهورية الكمالية الاتاتوركية .
لقد كان هرانت من دراويش تركيا ومن محبيها بالرغم من كونه أرمنيا . لقد كان يعشق كل تركيا ، لغتها، شعبها وهواها ويستطيع الوصول الى قلوب الأتراك . وكان يقول بالإضافة إلى قصصه الحزينة ” نحن الأرمن نرغب بهذه الأرض لأن جذورنا نبتت هنا، ولكن لا تقلقوا، لا نريد أن نأخذها بعيداً ، نريد أن نأتي ونموت وندفن تحت ترابها هنا “.
لقد وقف هرانت ضد تجريم من لا يعترف بمذابح الأرمن لأنه وجد فيها استغلالاً فرنسيا رأسماليا وتقزيماً لذكرى مذابح الأرمن والجرائم التي مورست ضدهم وضد سائر المسيحيين .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…