قراءة نقدية لتجربة ؛؛الإدارة الذاتية ؛؛ بعد ست سنوات من التأسيس…!

اكرم حسين 
 تأسست الادارة الذاتية من المناطق الكردية الثلاث في سوريا (قامشلو .عفرين .كوباني ) من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي انطلاقاً من نظرية الامة الديمقراطية التي ارسى دعائمها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان.
لاشك بان هذه الادارة قد صمدت في وجه العوامل التي حاولت انهائها واستطاعت ان تحافظ على السلم الاجتماعي وان تقدم بعض الخدمات و تمنع دخول المجموعات الاسلامية المتطرفة الى مناطق سيطرتها ، الا انها لم تكن النموذج الذي كان يطمح اليه الكرد رغم طابعها العلماني فقد رافق عمل هذه الادارات الكثير من التقاعس والفساد والتقصير .
اليوم بعد ست سنوات من تأسيس هذه الادارات يجد الكرد انفسهم امام تجربة لم يكتب لها التطور والتقدم الى حالات او نماذج من الحكم الرشيد تنتهج الشفافية  والمشاركة وحكم القانون في عملها وتوجهاتها و تنتقل الى صيغ  تتجاوز شمولية النظام السوري وتتفوق عليه في اطلاق الحريات وكسر الهيمنة وانهاء الاحتكار والحد من البيروقراطية والروتين، ووضع نظام عادل لتوزيع الثروة ، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية ، وتقديم الخدمات الاساسية للمواطنين بسهولة ويسر، وهي من بين اهم الاسباب – اضافة الى حقوق الكرد القومية –  دفعت الكرد الى النزول الى الشارع ، للمطالبة بتغيير النظام ، كي تكون سوريا دولة مواطنة متساوية ، ديمقراطية تعددية لكل السوريين بغض النظر عن العرق او الجنس او الدين . وهنا لا بد من القول كي لا نتهم بالعدمية او الانفصال عن الواقع بان الظروف التي تأسست  فيها الادارة ، وحالة الحرب والحصار، ومحاربة داعش ، ونقص الخبرات ، وضعف الموارد ، وكل ما يمكن ان يقال هنا ، هي اسباب منطقية لتبرير بعض النواقص والثغرات ، لكنها لا تبرر واقع الحال الذي وصلت اليه تجربة الحكم التي خاضها حزب الاتحاد الديمقراطي ، وواقع الادارة الحالية ، وما وصلت اليه من ضعف وفساد ومؤسسات شكلانية ، وتكريس النزعات الفردية والانانية ، والتي لم تتقدم من داخله ، وتاهت عن هويته السياسية الكردية بشكل متعمد ومدروس ، وانقلبت الى هوية سياسية مضادة ، والى نظام حكم ، يحاكي تجربة النظام السوري من استبداد ، وغياب العدالة ، وتمركز السلطة والثروة ، مع غياب المشاركة الحقيقية في ظل تقوقع فكري وايديولوجي ، وهو ما دفعها الى ان تبتعد عن طموحات الكرد وبعض المكونات الاخرى في سوريا ، لدرجة انها اسَتهْلَكَتْ تحت شعارات الثورية والديمقراطية ، القيِّم الاخلاقية والنضالية ، والمفاهيم السياسية والمبادئ الايديولوجية لنظرية الحزب المذكور .
ان بقاء الادارة الذاتية في بعض المناطق بعد خسارتها لعفرين وكري سبي وسري كانيه واحتلالها من قبل الدولة التركية لا يضمن ديمومتها واستمراريتها، فبقائها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوازنات القوى الاقليمية والدولية وبالوجود الامريكي الذي لولاه لكانت الان في مكان اخر .! فهي الان بين فكي كماشة ، لان تركيا وروسيا والنظام على اهبة الاستعداد للانقضاض وتكرار سيناريوهات عفرين والمناطق الاخرى عبر اجراء صفقات متبادلة ، فالكرد هم الورقة الاضعف في الحرب السورية القذرة ، وربما يكونون دائما ضحايا لهذه الصفقات . 
ان تكرار هذه السيناريوهات -لا قدر الله – يعني مزيد من التهجير والتغيير الديمغرافي ، وخسارة ما تبقى من كردستان سوريا ، ولن يكون بمقدور الكرد البقاء في مناطقهم او العودة اليها ، لان ممارسات الفصائل والانتهاكات الفظيعة التي تجري في مناطق الاحتلال ، اضافة الى سلوك النظام في جغرافيا المصالحات تثير في نفوس الجميع الخوف والفزع ، بحيث لا يكون لدديهم أي خيار او تفكير بالبقاء او العودة .
الصراع الذي يجري الان في مناطق الادارة القائمة لا علاقة له بالصراع الاول الذي اندفع اليه الكرد في البدايات لأسباب تحررية او قومية ، فهو يفرز الان تمايزاً بين هويتين متناقضتين لا علاقة لهما ببعضهما ، رغم ان الكرد هم من يتحملون وزر وتبعات سياسات الادارة وصراعاتها مع الاطراف المختلفة وهم ليسوا جزءاً منها .
الخطأ الذي ارتكبته الادارة في السياسات والممارسات القمعية والاقصائية ، والتي مارستها بحق المجلس الوطني الكردي ، واوصلته الى حالة من الضعف والوهن والشلل هو خطأ قاتل ، دفعت بنشاط – الكردي-  وتحركه في الخارج بروح عدائية وانتقامية لدى الدول الاقليمية والدولية والمنظمات الاممية المعنية بحقوق الانسان للحد من نزعات الادارة وتفردها ، وقد انعكس هذا التحرك سلبا في العديد من مواقف هذه الدول وتقارير المنظمات . اضف الى ذلك حالة العداء مع حكومة اقليم كردستان . ان هذه الحقائق حرمت الادارة من موقع الاقليم الهام ، ومن مشاركة طيف واسع من ابناء الشعب الكردي ، يمتلك الخبرة والكفاءة الادارية والعلمية ، ومن جذب الفعاليات المهنية والاجتماعية الاخرى ، ونفت عنها علوُّها التشاركي الديمقراطي .
امام الادارة اليوم فرصة حقيقية لمراجعة تجربتها وتحصين ذاتها من خلال مبادرة السيد مظلوم عبدي قائد قسد واجراء ترتيبات جديدة في ما تبقى من منطقة الشمال الشرقي بما فيها المنطقة الكردية ، تكون مرضية لدول الجوار و للجانب الامريكي وللمرحلة اللاحقة من الصراع في سوريا .
امريكا لا تريد استفزازاً يفجر علاقتها مع الجانب التركي خصوصا وان الوضع الان قد مال للاستقرار بعد ان كان جاهزاً لمزيد من سيناريوهات الانزلاق الى الوضع الاسوأ..!
تعزيز اجراءات الثقة المتبادلة ووجود وسيط امريكي متابع يصر على حل الخلافات وتحصين الادارة واعادة هيكلتها وتوسيع دائرة المشاركة بين المكونات لدرء الادارة والمنطقة برمتها من شر حقيقي ومن  الاخطار المحلية والاقليمية فرصة جديدة امام الادارة ، فهل ستكون مكونات الادارة والقوى الكردية الاخرى على قدر المهام الجسام التي تقع على عاتقها ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…