العولمة وماذا بعد ؟

محمد رمضان*
اجترّت البشرية لقرابة قرنٍ من الزمن مباديء العولمة، على أمل المزيد من التعاون والتكافل بين المجتمعات النامية الغارقة بالجهل والفقر والتخلف و المجتمعات البشربة المتخمة بالتطور التقني و العلمي وما لها من دور في صناعه الرفاهية والرخاء والحرية ؛ ولا سيّما الأقلّيات العرقية والدينية حول العالم التي كانت قابعة في ظلّ الأنظمة الشمولية القمعية المستغِلة لشعوبها بصورةٍ في غاية البشاعة ؛ إلا أنّ النتائج أتت عكس الأماني ؛ حيث اتّضح أنّ الأهداف المضمرة للعولمة كانت نقيضة الأهداف الظاهرة تماماً ؛ 
فالذريعة الواهية التي امتطتها القوى العلمانية المفترسة لحشر نفسها في كلِّ كبيرةٍ وصغيرةٍ على وجه الأرض تمثّلت في قضايا حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية في الحكم وإدارة المجتمعات البشرية ووقعت الصدمة المدوية حينما تجلّى بوضوحٍ أنّ تلك المبادىء ماهي إلا ذرائع في السيطرة والتحكم بالمقدرات والثروات واستثمار الكون فقط ؛ وما نصيب المجتمعات البائسة إلا المزيد من الانتهاكات والحرمان والاستغلال ؛ ولعلّ الانتهاكات الجسيمة التي وقعت بحق الأقليّة اليزيدية في العراق أكبر دليلٍ على ذلك؛ ولا سيّما الصمت الغريب للمجتمع الدولي ابان حملة الإبادة العرقية التي ارتكبت بحقهم على مرأى ومسمع العالم الذي يتقمّص مباديء الحرية والتحرر ؛ وما نراه اليوم من السلوك القميء للدولة التركية في اسنغلال اللاجئين السوريين و اقتيادهم كمرتزقة إلى قارة أخرى ضاربة بعرض الحائط كلّ الأعراف والقوانين الدولية التي تعشّم البسطاء خيراً منها ؛.ولبس هذا فحسب بل الصمت الدولي يشكّل كارثةً أكبر ويعمّق حدّة الهواجس المرعبة لدى الإنسانية ؛
ولا يقلُْ عمّا سبق بشاعةً السلوك المُشين للقوى الغظمى روسيا وأمريكا حيال الشعب الكُردي وقضيته العادلة بموجب كلْ الأعراف والفلسفات السماوية والوضعية ؛ في كلّّ من سوريا والعراق كما لو انّ القضية مسألة اسنلامٍ و تسليمٍ بين الوكيل( الأنظمة السابقة) والمشرّع( الأنظمة العالمية) ؛
وكلُّ هذه التحولات الدراماتكية و المتعارضة مع أبسط القوانين السائدة و المتعارف عليها هي بداية تدشين حقبة جديدة وفارقة في حياة البشربة ؛
ممّا يعزّز لدينا الشكوك بأنّ المرحلة الراهنة من التاريخ البشري وبال عل الأقليات العرقية والدينية فضلاً على الشعوب المضطهدة حول العالم ؛ و سوف تكون النار والحجارة للجحيم الذي تسعى القوى العظمى على نصب من أجل ترسيخ مناطق نفوذها بحجة الحفاظ على أمنها القومي ومصالحها الاسترلتيجية ؛ وهذه ليست مجرد هواجس متشائمة إنما حقائق ثابتة تجتاح بنية الأكذوبة التي سُمِيت ب العلاقات الدولية وقوانينها منذ القرن الخامس عشر ؛ فالدولة التركية الطامعة بالثروات الليبية باتت حدود أمنها القومي في أقصى القارة الأفريقية والدولة الإيرانية لا تقلّ فجاجةً في رغبة الاستغلال لهشاشة أنظمة الخليج العربي عسكرياً ومجتمعياً ممّا جعل حدود أمنها القومي في أقصى حدود الخليج ! فالقضية برمّتها ليست موضوعاً أمنياً إنما قضية التضخم في نزعة الجشع البشري كمنجز من معجزات العولمة ؛
والارتزاق كأبشع صفةٍ إنسانية عرفتها البشرية لم تعد صفةً فرديةً طارئة تنتهي بانتهاء مصلحة الفرد أو تحوّلت ظروفه إنما باتت صفة دولية آخذة بالرسوخ وعلى وشك التنافس عليها جهاراً بين الدول والأنظمة حول العالم ؛ كما يحصل اليوم في الحالة التركية الارتزاقية داخل إطار النفؤذ الروسي المشجّع و المبارك لها ؛ ومثلها إيران في إطارات نفوذية متعددة أوروبية و أمريكية ؛ والمحصلة سوف تلقى شعوب هذه الأنظمة الارتزافية مصيراً حالكاً كما الشعوب المغلوبة على أمرها اليوم ؛
كلّ ذلك من بركات ظاهرة العولمة التي تغنّى بها البؤساء لحقبةٍ من الزمن

*محمد رمضان كاتب وحقوقي 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..