سعيد يوسف
لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا.
فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر طيلة التاريخين العثماني والفارسي وبعض الإمارات الكوردية وحتى يومنا هذا بقيادة جهاديي الدولة الاسلامية المعاصرة وفي كثير من المرات كانت “الفتاوى” هي الغطاء الشرعي التي تبيح ممارسة كل فعل إنساني همجي وقاسي ضد الضحايا الأبرياء، سوى أنّ تهمتهم هي كونهم كفّاراً.
تلك الفتاوى التي يصدرها بشر، يدّعون أنّهم ينطقون باسم إله عادل أوكل إليهم تصفية وقتل كل من يخالف تعاليم دينهم وعقيدتهم، تحت ستار نصوص دينية يزعمون أنها مقدسة وأن الله شرعن لهم تصفية كل من يخالف عقيدتهم التي تصنف البشر إلى مؤمنين وكفّار.
وكانت حصة الأيزيديين من الفتاوى الدينية مرتفعة جدّاً، لا بل في الفترة المعاصرة لم تعد الجريمة بحاجة إلى فتوى، بل باتت فعلاً مباحاً غير مقيداً لا زمانياً ولا مكانياً معتبرين جغرافيتهم دار حرب ، أو بلاد كفر. وإليكم بعض الأمثلة من التاريخ المعاصر ، التي تظهر الممارسات الوحشية التي تبناها تنظيم الدولة :
تفجيرات قريتي تل عزير وسيبا شيخ خضر ( القحطانية والعدنانية) في محافظة نينوى ١٤/٨/٢٠٠٧/
راح ضحيتها حوالي /٨٠٠/ شهيد، وأكثر من /١٥٠٠/ جريح.
الهجمات الوحشية ضد الأيزيديين في شنگال /٣/آب ٢٠١٤/ وخاصة على قرية كوچو ، والتي راح ضحيتها الآلاف بين شهيد وجريح وأسرى وسبي النساء وبيعهن في الأسواق.
وفي ١٥/آب / ٢٠١٤/ أعدم التنظيم الارهابي المئات من أسرى قرية كوچو الأيزيديين، إما بضرب أعناقهم بالسيف، أو حرق بعضهم بتهمة الكفر. نجا بعضهم من المذابح من بينهم الفتاة الأيزيدية ناديا مراد، التي كوفئت بجائزة نوبل للسلام. فيما لا يزال مصير الآلاف مجهولًا، اعترفت الكثير من الدول بأنها جرائم ضد الانسانية، وإبادة جماعية.
ولكن ما قيمة هذا الاعتراف، إن لم يتوّج بإجراءات عملية تضمن الحماية الدولية للأيزيديين.
التهمة الأساسية المبطنة أنهم كورد أولاً، وجرائم الأنفال تشهد على ذلك، وتتضاعف التهمة والادانة كونهم أيزيديون.
لن أخفي امتعاضي واشمئزازي من هذه المفردة القاسية التي تحمل في طيّاتها كراهية وهمجية وإهانة ما بعدها إهانة لكرامة الإنسان وقدسية روحه، هذا المصطلح البائس الفظّ والغليظ في لفظه والقاسي في مضمونه.
أسوأ كلمة أسمعها هي كلمة : كافر
أسوأ عبارة أقرؤها هي عبارة : كافر
أقسى حكم بحق الآخر هو : كافر
أخطر كلمة تهدد المجتمعات هو تصنيف البشر تحت مسمى: كافر
بقناعتي إن تصنيف البشر إلى مؤمنين وكفّار، هو تصنيف محض بشري ارتبط ظهوره بكينونة جماعة بشرية معينة في مجتمع الجزيرة العربية، كانت تعيش حالة من الصراع الاجتماعي السيادي والاقتصادي، وفي لحظة تاريخية محدّدة، ليؤدي وظيفة سياسية اجتماعية في حينه، وكان الأولى أن يختفي مصطلح الكافر من معجم الألفاظ البشرية المعاصرة، ليبقى فقط كمفردة أدّت وظيفة معرفية في حينها، أو أن تهذّب في مضمونها ويرفع عنها صفة العنف الديني الذي يبيح تصفية الآخر المختلف، لتبقى فقط كلفظ أُستعمل تاريخياً للتمييز فقط بين الكافر والمؤمن.
إذ من غير المنطقي والأخلاقي أن يصنف الله عباده الى مؤمنين وكفار ، ثم يؤلب المؤمنين الموالين على قتال الكفّار المعارضين أعداء الله تحت مسمّى الجهاد في سبيل الله، وقتال الكفار ونشر كلمة الحق التي يحتكرها دينهم وحاشا لله أن يفعل ذلك
هذا التصنيف مؤمن / كافر هو تصنيف بشري دنيويّ سياسي هدفه منح الشرعية للسلطات السياسية لتصفية الآخر باسم إلهٍ بريء مما نسب / أوينسب إليه زوراً وبهتانًا .
في الحصيلة :
الكافر جزاؤه القتل ومأواه الخلود في جهنم
والمؤمن جزاؤه النعيم وله الخلود في الجنة
يقابل هذا التصنيف في الأنظمة الدكتاتورية المعاصرة تصنيف المواطنين إلى موالين ومعارضين أما الموالين فلهم الوظائف والأموال والترف، وتلك هي الجنة الموعودة بذاتها
أما المعارضين فالويل لهم، مصيرهم الجَلْد والعذاب والسجون يسومون فيها سوء العذاب وتلك هي جهنم بعينها، والأمثلة على ذلك كثيرة جدّاً : سجون نظام الأسد في سوريا، وسجون نظام صدام في العراق.
في الختام لا أملك في ذكرى ضحايا العنف، وجرائم الإبادة والقتل والتدمير ، سوى بضعة جمل لأعزي ذوي الشهداء الذين فقدوا أرواحهم على أيدي جماعات همجية شرسة، لا تعرف سوى ثقافة القتل والتدمير، والشفاء للجرحى ، والحرية للأسرى