الشعب الكردي في مواجهة عقليتي النظام والمعارضة

 ريزان شيخموس
تقترب الثورة السورية من عامها العاشر دون أن يحقق الشعب السوري أهدافه المعلنة في بناء دولته الحديثة الوطنية التي يتطبق فيها القانون وتتحقق فيها الحرية والعدالة الاجتماعية بل تحولت سوريا إلى ساحة نفوذ واسعة عالمياً وإقليمياً، وافتقدت سوريا قرارها الوطني وهيمن الصراع العسكري على الحوار السياسي،   
 وهكذا افتقدت الثورة إحدى مقوماتها الوطنية، وتحولت إلى ثورة مسلحة، وكانت النتيجة كارثية على الشعب السوري عموماً حيث قتل حتى الآن ما يقارب مليون شخص، ونزوح ثلث الشعب السوري، وتدمرت نصف المدن السورية حيث لا توجد عائلة سورية غير متضررة، وتحولت سوريا إلى ساحة للمخابرات العالمية والإقليمية لتنفذ فيها مصالح دولها كما النظام السوري أصبح بضعفه مطية الدول الداعمة له.
 كما إن المعارضة غادرها معظم قاداتها الوطنيين الحقيقيين، أما القسم الأكبر منها تحول إلى أدوات تنفذ أجندات غير وطنية، وابتعدت عن الخطاب الوطني الجامع، وهذا ما كان يسعى له النظام السوري منذ اليوم الأول من الثورة لاختزالها بالمعارضة السنية، في الوقت الذي لم تستطع المعارضة استقطاب كافة مكونات الشعب السوري بخطابها وارتباطاتها وسلوكها وممارساتها، تمكن النظام من تحييد هذه المكونات عن الثورة السورية ورفع شعار الدفاع عن الأقليات التي عانت الكوارث من هذا النظام وسياساته، وبهذا خسرت المعارضة معظم مكونات الشعب السوري خاصة السنة.  
ان القاسم المشترك بين النظام الاسدي ومعارضته في كافة المواقع والمحافل رفضها للحقوق السياسية والعامة لكافة المكونات وخاصة الشعب الكردي والذي يشكل إحدى المكونات الرئيسيّة للشعب السوري. وخاصة التصريحات الاخيرة لممثلي النظام السوري والمعارضة في أستانا من القضية الكردية توضح بشكل شك فيه مدى الحقد والكراهية والعنصرية التي شربوها من مدرسة البعث العنصرية، إن ثقافة الاقصاء ورفض الآخر هي ثقافات تتعارض كلياً مع المنطق الثوري أو الوطني أو حتى الإنساني. 
إن الشعب الكردي في سوريا يعيش على أرضه التاريخية وله ماض تاريخي في سوريا وكل الساحات العسكرية والسياسية والثقافية والمجتمعية تشهد دور الكرد في سوريا منذ بداية العشرينيات من القرن الماضي. وكان له الدور الأساسي في مقاومة الاستبداد والظلم والنظام الاسدي منذ الانتفاضة الكردية ٢٠٠٤ وبعدها التظاهرات التي كانت تحصل في دمشق والمناطق الكردية رغم عدم حصولهم على اي دعم من المعارضة المفترضة. كما كان لهم الدور الفعلي في دعم الثورة السورية منذ اليوم الاول مع أهلنا في حوران وباقي المناطق الملتهبة من خلال المظاهرات الكبيرة في كافة المناطق الكردية، كما كان للكرد الدور الحيوي في بناء اول نواة لتشكيل المعارضة السورية  بدليل كلمة  الشهيد مشعل التمو الافتتاحية لمؤتمر الإنقاذ في دمشق، وان استشهاد ه ونصرالدين برهك وغيرهم من القادة الكرد ” في بداية الثورة ولاحقاً دور الحركة السياسة الكردية في تأسيس المجلس الوطني السوري الذي انضم الى الائتلاف وتقديم الكرد آلاف الشهداء في حربه ضد داعش الإرهابي كلها مؤشرات واضحة لموقف الكرد من الثورة السورية ودورهم  في المستقبل السوري. . 
وجاء الرد في تصريحات المعارضة وركوب ما يسمى بالجيش الوطني الدبابات التركية واقتحامها المناطق الكردية واحتلالها وممارسة كل أشكال الظلم والقهر وانهب والتشريد بحق ابناءها كما حدث في عفرين وسري كانييه وكري سبي. واظهرت تصريحات احمد طعمة في التقليل من نسبة الكرد مدى الكذب والنفاق والانفصال عن الواقع، ومدى التفسخ الحاصل في المعارضة السورية التي ارتهنت للطاغية التركي والذي لعب دورا ايجابيا الى جانب السوريين في بداية الثورة لكنه الان يقف في صف اعداء الشعب السوري من خلال مسار استانا والالتفاف على مسار جنيف واحتلال اراضي سوريا والموافقة على قصف مدينة ادلب وريفها وتقاسم النفوذ والهيمنة من قبل الدول الثلاث الضامنة والتي أصبح مصير ومستقبل السوريين رهنا بأجنداتهم واراداتهم.
ان خوف السلطة السورية التقليدي من الكرد وقضيتهم العادلة يقض مضجعها نتيجة لذهنية الهيمنة والاستئثار والتي تنتج على الدوام مواقف شوفينيه متهورة كالتي أطلقها بشار الجعفري، رغم انه يعرف تمام المعرفة بان الوضع القائم في سوريا لا يتناسب مع ما يصرح به ولا يمكن القبول به بتاتا الاجدر به ان يبادرهو ونظامه الى اصلاح الوضع وإنهاء الحرب والعمل على قضية الشعب السوري منها قضية شعبنا الكردي القومية، بعيدا عن الخطاب الايديولوجي والدو غمائي.
وسياسة التجاهل والانكار والاستمرار في عقلية النفي والاقصاء على مدى العقود الماضية ورفض امكانية البحث عن حلول سياسية للقضية الكردية في سوريا الامر الذي يؤشر الى استمرار الصراع واستدامة الازمة، والابتعاد عن الحلول الوطنية والديمقراطية وسقوط رهانات القوى التي تدعو للحوار مع النظام الحالي وأوهامها، وانسداد اية فرصة للحل ولو ببعض الحقوق خارج ما هو قائم، لان بحث الجعفري عن حالة كردية تلائمه وتدعو الى الحوار معه  لن تقيده باي شكل من الاشكال، ولن يقبل بها الشعب الكردي، لأنه يسعى  الى مصالحات كما حدث في درعا وباقي المناطق. 
ان المعارضة السورية مدعوة بشكل جدي لإعادة النظر بخطابها السياسي ومواقفها من الوضع السوري العام وخصوصاً من قضية الشعب الكردي وما عاناه طوال العقود الماضية، وتبني قضيته كقضية وطنية بامتياز ولا يمكن القبول بلغة المعاداة بين مكونات الشعب السوري وخسارة المعارضة للكرد ستسيئ للشعب السوري عموماً وللثورة السورية التي قدمت كل هذه التضحيات ولهذا لابد من استخدام لغة الحوار الوطني الجامع وفتح صفحة جديدة في بنية العلاقات العربية الكردية والدفع باتجاه تشكيل هوية وطنية سورية قائمة على الاعتراف والمساواة، ووضع القضية الكردية في اولويات النقاش  اوعند صياغة الدستور، وبدون ذلك لن تنعم سوريا بالأمن والاستقرار، وانه لا بديل عن لغة الحوار والتفاهم  للوصول الى الحل السياسي بعيداً عن الاجندات الإقليمية والدولية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمار عبد اللطيف يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله. ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي،…

لوند حسين* يُقدَّم المطلب الكُردي في كثير من الأدبيات السياسية السائدة في الشرق الأوسط، ولاسيما أوساط الأنظمة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان بوصفه تعبيراً عن نزعة «انفصالية»، غير أن هذا التوصيف يثير إشكالية مفاهيمية عميقة، إذ إن مفهوم الانفصال يُفترض وجود وحدة سياسية وطنية قائمة يسعى طرفٌ ما إلى الانفصال عنها؛ ففي الحالة الكُردية، تبدو الصورة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فالمُطالبة الكُردية لا…

هوزان يوسف الجغرافيا الزمانية للألم والأمل لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل…

أغيد أبو زايد للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن…