آذار: جدلية الدم والانبعاث.. قراءة كردية في 18 آذار

هوزان يوسف

الجغرافيا الزمانية للألم والأمل

لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل هو ممرٌ إجباري بين فناء “حلبجة” وبقاء “نوروز”. هو شهر النهايات المثقلة بالرماد والبدايات الواعدة بالشرر، حيث تسقط المدن تحت وطأة الغزو، وتشتعل الثورات من قلب المجازر.

 

18 آذار: انكسار الحلم في “زيتونة” عفرين

في السنوات الأخيرة، بات يوم 18 آذار يشكل جرحاً غائراً ونقطة تحول في الوعي السياسي الكردي، خاصة في “روج آفا -غرب كردستان” (سوريا). فبينما يتم الاحتفاء بهذا التاريخ كذكرى لانطلاق الحراك السوري، يراه الكردي تاريخاً لسقوط عفرين عام 2018 تحت وطأة الهجوم التركي والفصائل المتحالفة معه.

هذا التناقض الزماني يطرح سؤال الهوية بحدة؛ إذ كيف يمكن لذاكرةٍ مثقلة بصور النزوح من “جبل الأحلام” أن تتصالح مع روايةٍ تعتبر هذا اليوم نصراً؟

انطلاقاً من هذه الذاكرة والتجارب، يطرح كثير من الكرد سؤالاً مشروعاً:

كيف يمكن للكردي أن يتعامل مع 18 آذار بوصفه يوماً وطنياً جامعاً، بينما يرتبط هذا التاريخ لديه بفاجعة مثل سقوط عفرين؟

هذا السؤال لا يتعلق برفض فكرة الثورة بقدر ما يتعلق بالتجربة الكردية الخاصة، وبالطريقة التي انحرفت بها الأحداث منذ السنوات الأولى، بحيث لم تعد تعكس تطلعات جميع مكونات سوريا.

إن سقوط عفرين في 18 آذار لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان محاولة ممنهجة لكسر الرمزية الكردية قبل أيام قليلة من “نوروز”. هذا التوقيت جعل من الفاجعة عبئاً يضاف إلى قائمة “الآذارات” الدامية، بدءاً من ذكرى رحيل القائد الملا مصطفى البارزاني في مطلع الشهر، وصولاً إلى استشهاد القاضي محمد في نهايته، مما يجعل آذار الكردي محاصراً بالموت من جهاته الأربع.

 

من المأساة إلى المقاومة: إرادة لا تنكسر

لم يكن آذار يوماً شهراً للاستسلام، بل كان دوماً شهر “الرابرين” (الانتفاضة). فبين طيات هذا الشهر، تكمن ذكرى مجزرة حلبجة (16 آذار 1988)، تلك الجريمة التي اختلطت فيها رائحة التفاح بسموم الكيماوي لتغفو المدينة على موتٍ جماعي صار أيقونة للمظلومية الكردية العالمية. لكن الرد الكردي كان يأتي دائماً من جنس الألم؛ فمن رحم هذه الفواجع انطلقت “الانتفاضة الكبرى” في جنوب كردستان عام 1991 لتحرر المدن من قبضة الديكتاتورية.

وفي سوريا، يبرق 12 آذار 2004 كذكرى لـ انتفاضة القامشلي، حين واجه الكرد بصدورهم العارية آلة القمع، معلنين للعالم أن زمن الصمت قد ولى. وصولاً إلى آذار 2016، حين أُعلن عن نظام الإدارة الذاتية، كخطوة لترسيخ الوجود السياسي الكردي في خضم العاصفة السورية. هذا الإصرار على البقاء تعمّد بالدم حتى في لحظات الاحتفال؛ كما حدث في قمع احتفالات نوروز في عفرين ودمشق (1986) وجزرة (1992)، حيث تحولت ساحات العيد إلى ساحات استشهاد.

 

نوروز: صرخة الانبعاث من شعلة المقاومة

وسط هذا الركام من المآسي، يبرز 21 آذار (نوروز) كفعل مقاومة وجودي لا مجرد طقس احتفالي. ففي هذا اليوم من عام 1982، أضرم الثائر مظلوم دوغان النار في جسده بسجن “آمد” الرهيب، مخلداً مقولته: المقاومة حياة – Berxwedan Jiyane”، لتتحول جثته إلى مشعل لنوروز جديد يطرد عتمة السجون.

السنة الكردية تبدأ مع تجدد الطبيعة، لذا فإن كل ما يحدث قبل 21 آذار يُعدّ جزءاً من “الماضي” الذي يجب أن يُطوى. نوروز هو “اليوم الجديد” الذي يستحضر أسطورة كاوا الحداد في وجه “ضحاك” العصر. ومع إيقاد الشعلة، يطوي الكردي عاماً من الألم (بما فيه وجع 18 آذار) ليفتح صفحة الربيع، مؤكداً أن الهوية الكردية عصية على المحو.

 

في “تجاهل ألم الآخر”.. سؤال 18 آذار المعلق

إن المشكلة الحقيقية في تاريخ 18 آذار لا تكمن في المصادفة الزمنية للحدثين (الثورة والسقوط)، بل تكمن في تجاهل ألم الآخر. إن التعامل مع هذا التاريخ بوصفه يوماً وطنياً جامعاً دون الاعتراف بالفاجعة التي حلّت بعفرين يعكس فجوة عميقة في الوجدان السوري المشترك.

لا يمكن بناء وطنٍ حقيقي بينما يحتفل جزء منه في يومٍ يمثل للجزء الآخر ذكرى اقتلاع من الأرض والبيت. إن نضوج أي مشروع وطني يتطلب أولاً الاعتراف المتبادل بالآلام؛ فالطريقة التي انحرفت بها الأحداث منذ السنوات الأولى، بحيث لم تعد تعكس تطلعات الكرد، تجعل من الضروري إعادة قراءة التاريخ بروحٍ تشاركية.

يبقى آذار هو الميثاق الكردي بين النار والحرية؛ شهرٌ يمزج سواد حداد “حلبجة” بخضرة ربيع “كردستان” وحمرة دماء الشهداء. هو الامتحان السنوي لذاكرة الكردي، الذي يثبت في كل مرة أن الصفحات القديمة تُطوى مهما كانت ثقيلة، لكن الأرض تظل لأصحابها، والحرية تظل وجهة السائرين في دروب الجبال.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…