الاجتياح التركي للمناطق الكوردية..

م. محفوظ رشيد

 
     قدم الكورد تضحيات جسيمة في حربهم على الإرهاب ومقاومتهم للتحديات، وقد نجحوا في دحر داعش وأخواتها، وتحرير مناطقهم وإدارتها ذاتياً، إلا أن المصالح الدولية وفرت الأجواء وأعطت الضوء الأخضر للاجتياح التركي الذي يستهدف القضية الكوردية أرضاً وشعباً عبر جرائم التطهيرالعرقي من قتل ونهب وسلب وخطف.. والتي ترتكبها القوات التركية بمشاركة مرتزقتها من العصابات الإرهابية، فالوضع قلق وخطر فعمليات النزوح من المناطق الكوردية متواصلة بسبب استمرار التهديدات والهجمات التركية بالرغم من وجود اتفاقات ثنائية لوقف إطلاق النار مع كل من الجانبين الأمريكي والروسي وتسيير دوريات مشتركة لها لضمان تنفيذ بنودها على الأرض.
    إن القضايا الحاسمة في صنع القرارات الخارجية للدول هي تبادل المصالح وتقاسم النفوذ وتوازن القوى بين أطراف الصراع الدولية، إضافةً إلى سياسات الحكومات القائمة لتسخير الصفقات الخارجية الجارية في خدمة حملاتها الانتخابية الداخلية لتثبيت مواقعها وضمان فوزها، وهذا ما يحصل فعلاً، فقد توافقت أجندات ترامب وأردوغان في تسويق نفسهما داخلياً لضمان فوزهما واستمرارهما في الرئاسة..
     لقد كانت روسيا السباقة في إطلاق يد تركيا في احتلال مناطق سورية ومنها عفرين، بالرغم من وجود الحوار والتنسيق مع الادارة الذاتية القائمة في أكثر من مرة، من أجل مكافحة المجاميع الارهابية، ويبقى تنافسها الصريح مع أمريكا لزيادة نفوذها على الأرض هو الراجح في رسم سياساتها، بالتزامن مع مبادراتها المتكررة في تقديم مشاريع والسعي لإجراء مفاوضات بين الإدارة الذاتية والنظام بشأنها كما حصل في حميميم سابقاً، فالثقة بها مؤقتة ومتزعزعة بسبب تباطئها وتماطلها في تنفيذ الاتفاق المبرم مع تركيا، واستكامل المفاوضات بين النظام والادارة..
     إن ضغط الرأي العام على الصعيدين الرسمي والشعبي أمريكياً وعالمياً على الرئيس الأمريكي ترامب بسبب قراره الانسحاب وترك حلفائه الكورد يواجهون مصيرهم أمام الحملة التركية الشرسة أجبره على التراجع عن قراره تهرباً من المساءلة (حجب الثقة) التي يسعى إليها الكونغرس الأمريكي، حيث يعتبر قرار الانسحاب خيانة للكورد وإساءة لسمعة أمريكا وزعزعة لثقة أصدقائها وحلفائها بها، وانتصاراً للعدو الروسي المنافس القوي على الصعيد العالمي، وكذلك لاستعادة مواقعها على الساحة السورية ودورها الفاعل والمطلوب في مبادرات الحل النهائي من خلال التحكم بآبار النفط والرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها (قسد) في شمال شرق سوريا.
     النظام محكوم باتفاقات سوتشي وقراراتها، وبتفاهمات أمريكا وروسيا غير المعلنة، وبما تتمخض من جهود المنظمة الأممية في اللجنة الدستورية برعاية المنسق غير بيدرسون، ومستقبل شمال شرق سوريا مرتبط بالاتفاقات المبرمة بين تركيا من جهة وأمريكا وروسيا من جهة أخرى، وفي كل الأحوال فخيار المفاوضات بين الادارة والنظام، والتوصل إلى اتفاقات وتفاهمات دائمة هو الضروري لدعم وضمان استعادة دمشق لقوتها وبسط سيادتها على كامل الأراضي السورية. 
     يتقررمصير القضية الكوردية ضمن الحل النهائي للأزمة السورية، ويتوقف شكل حلها على قوة العامل الذاتي وفاعليته المرهونة بتوحيد البيت الكوردي وترتيبه واستقلاليته، وكذلك على دعم ومساندة الأطراف الكوردستانية الشقيقة، والقوى الدولية الحليفة والصديقة، والوطنية الشريكة، وعلى شكل الخارطة السياسية التي تتوافق على رسمها الدول العظمى المتنفذة لسوريا والمنطقة مستقبلاً، والمؤكد أن لا حل ولا سلام ولا استقرار إلا بمشاركة الكورد الحقيقية في ترتيباتها.
5/10/2019

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil قبل الانطلاق للعمل كنت اتابع تطورات حرب إسرائيل وامريكا وإيران.. ترامب يقول بثقة انتصرنا وكذلك الناطق باسم الخارجية الإيرانية قالها بحبور لقد انتصرنا على أمريكا .لسبب ما تذكرت عمتي.. في أواخر الثمانينات تم تجنيد واحدة من عمتي لصالح منظومة pkk.. امرأة ريفية بسيطة…

نورالدين عمر بينما يمضي مسار الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، يغدو من الطبيعي، بل ومن الضرورة، أن يبادر قادة “قسد” بتمثيلهم العسكري والمدني، من سيبان حمو وجيا كوباني وسيامند عفرين إلى المحافظ نور الدين عيسى، بلقاء كافة قادة الفصائل والمسؤولين في الحكومة المؤقتة دون استثناء. لا ننكر جراح الماضي، فالمعارك السابقة خلفت آلاف الشهداء من…

جهان كور نعسان المثقف الكردي هو أكثر من استبشر وبارك سقوط النظام الأسدي بهيكليته و البعثي بعقيدته ، فليس بخافٍ كم من الأكراد المثقفين كانوا من معتقلي الرأي على مدى سنوات كُمِّمت فيها أفواه المثقفين بكل انتماءاتهم القومية والدينية في سوريا ، فلم يسلم في ذلك العرب و الكرد كما لم يسلم لا العلويون ولا الدروز ولا المسيحيون ولا أي…

شادي حاجي لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي. إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم…