الحجم الحقيقي

عباس عباس
حدث ذات يوم وأنا في عهد الطفولة أني وقفت بوجه شرطي سوري تصرف بغلاظة مع قروي من قريتنا حتى أصبحت من بعدها البطل المقدام والطفل الذي لا يهاب ولا يخاف!
طبعاً صدقت الكلام حتى عشت من بعدها أقف بوجه كل شرطي بدون احترام إلى أن وقعت بالمصيدة الحقيقية
والتي أرجعتني لحجمي الحقيقي قزماً كوردياً بل الدون كيشوت الفارس المهبول!
الحقيقة هي أن الشرطي الذي وقفت بوجهه ولم يبادلني الغلاظة كان أبي قد دفع له، وبعدها لم يتركني شرطي بسلام بدون مقابل وهكذا كنت أظن بنفسي البطل المقدام، إلى أن تجلت الحقيقة مع الأمن السياسي السوري الذين أعادوني إلى حجمي الحقيقي ككوردي بحجم عقلة إصبع!
ما كنت عليه وما أصبحت عليه يتطابق مع الأحزاب الكوردية في كوردستان برمتها، أبطال ويصدقون أنهم حقاً أبطال إلى أن يلتقي بعضهم بالوجه القبيح للعدو لتنكمش الأحجام حتى تكون بحجم ما كنت عليه، عقلة إصبع!
طبعا هذا لا ينفي بالمطلق، أن الأمة الكوردية قد قدمت الكثير من المناضلين والشجعان، إلا أن دماءهم وبكل اسف كانت تهدر في سبيل أن يصدق العقلة أصبع نفسه فارساً وبطلاً حقيقياً!
طبعاً وبكل تأكيد، لم أجبن في أي موقف بحياتي على مستوى الكوردايتي أو على المستوى الشخصي، إلا الرهبة كانت تسري بأضلعي بعد كل عراك حين كنت ألتفت ورائي ولم أجد من يحمي ظهري!
كذلك تجبن بكل مواقفها الأحزاب الكوردية، بل المناضلون الشجعان ضمن تلك الأحزاب، فقط لأنهم وهم يتقدمون يدركون بأن ظهورهم بدون حماية!
ونحن نسأل عن الأسباب وهي متعددة، وكل يحمل الآخر إحداها، حتى أصبح الكل بالكل حاملاً سبباً أو حجة يخفي ورائها خيبته ومصيره كونه حقيقة عقلة أصبع!
روج آفا أو في الجبهات الأخرى كشنكال وكركوك وخانقين أو نصيبين، تنتهك من قبل أشرس هجمة بربرية عرفها التاريخ، وهناك من يحاول المستحيل إعادة أبطالها إلى حجمهم الطبيعي، عقلة إصبع بعد أن صدقوا أنفسهم كونهم منقذو البشرية، وبين هذه وتلك قدموا الألاف من الشهداء وهم خيرة شباب وبنات هذه الأمة!
فهل حقاً كانوا منقذين للبشرية؟ وماذا عن الكورد المهجَّرة والمهاجرة والأحزاب، تلك التي أصبحت بفعل فاعل تخدم الأعداء بحجج واهية أو هي صامدة ساكتة عن فعل الخير مكتفية بقول الحق!
هل شعر المقاتل الكوردي في روج آفا بأن له ظهر يحميه في أربيل أو سلمانية أو حتى أقرب الناس إليه في قنديل؟ لماذا ننتظر من الحقير ترامب الحماية، بينما نجد أقرب الناس إلي يخذلني في أمري؟..لماذا لم يحرك السيد مراد قره يلان أو مصطفى أقسو أو علي حيدر قيتاني أولئك الذين يصبغون الأحذية على أزقة إستانبول وأزمير وأضنة وأنقرة؟.. لماذا نكتفي بجرأة البرلماني الكوردي فرهاد أنجوى وننسى وعود السيد قره يلان؟
لماذا لم يطرد القائم بالأعمال التركي من هولير أو من سليمانية بعد هجوم الجيش التركي على روج آفا، لماذا لم يعلن الحداد رسمياً من قبل الأقليم الكوردي المحرر على تلك المجزرة التي تم التمثيل بجثة المرأة الكوردية بعد اغتصابها من قبل الجيش التركي؟.. وهل هناك في كوردستان برمتها من يضحي بمصلحته الشخصية مادياً أو حزبياً مقابل الثأر لسبايا اليزيدين قبل هتك شرف هفرين؟..
أسئلة سخيفة من كوردي سخيف، الذي هو أنا، نعم أنا الدون كيشوت السخيف حين صدقت نفسي مناضلاً حراً بينما كنت حقيقة لا شئ…لا شئ!..ولا حتى بحجم عقلة إصبع
ألمانيا- أخن
20/10/2019م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….