( سنجار لا تبكي )

كفاح محمود كريم

سنجار أو شنكال مدينة لا تعرف البكاء، وقوم اعرفهم حينما تدلهم المصائب وتختلط الألوان وتفيض الأجساد دماء وجروحا، وتبقى المآقي لا تدمع إلا فرحاً أو شاخصة كعيون الصقور والأسود.


تلك سنجار المدينة الأكثر إثارة في تاريخها وجغرافيتها وسكانها.

إنها شقيقة حلبجة وبارزان وقلعة دزة وعشرات من مدن فرسان الشمس.


لقد تعرضت عبر مئات السنين أو ربما الآلاف منها الى حروب ومعارك وحصارات فاقت في همجيتها كل ما قرأناه عبر التاريخ الأسود للدكتاتوريات والشوفينيات القومية والتعصب الديني الأحمق والأسود.

يقول سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، عن حوادث السلاجقة لسنة 449 هـ في الصفحة 22 عن واحدة من أبشع معارك سنجار عبر التاريخ قبل حادثتها الأخيرة:
( أغار عليهم ((طغرل بك)) فسحقهم حتى وصل سنجار فحاصرها طويلا وقطع عنها كل ما له علاقة بالحياة وديمومتها، إلا أن أهالي سنجار تحدوا السلاجقة تحديا أسطوريا رغم معاناة الحصار وقيل ((أنهم اخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلا نسهم وتركوها مشهورة على رؤوس القصب))
فقد ((طغرل بك)) أعصابه فقرر زيادة عدته وعدده، مضاعفا حصاره الوحشي على المدينة حتى فعل الحصار فعلته وانتصر سيد الشجعان الجبناء (الجوع) ففتحت المدينة أبوابها عنوة تحت سياط الجوع والمرض فاقتحم السلاجقة مدينة سنجار ليستبيحوها ويمعنوا في سكانها قتلا وتعذيبا وفي خيراتها نهبا وسلبا و بعمرانها خرابا وتدميرا حتى قتل أميرها آنذاك (مجلي بن جرجي) ومعه آلاف من رجالها حتى قيل أنهم بلغوا أربعة آلاف رجل !؟ .)
حدث كل ذلك في بداية عام 1057 م، أي قبل أكثر من تسعة قرون على ما حدث لها في آب من 1972 و آب 2007، وتتحدث كثير من المراجع عن عدد سكانها في المعركة الأولى التي راح ضحيتها أكثر من أربعة ألاف مقاتل من الرجال بأكثر من خمسة وثلاثين ألف نسمة أي ما يقارب عدد نفوس مركز مدينة سنجار اليوم.
لم تبكِ سنجار حينما حاصروها حتى الموت، كانت تصرخ بوجه الطغاة وترفع رؤوس قتلاهم على رؤوس القصب لترعبهم وهي تتلضى جوعا وعطشا.
وعبر أكثر من ثلاثين عاما منذ اتفاقية آذار حيث نهضت مدينة الشهيد سامي عبدالرحمن وبطل البيشمه ركه علي شنكالي لتعلن للعالم اجمع هويتها التي تعرضت عبر قرون لمحاولات التشويه والإلغاء.


تعرضت المدينة وسكانها الكورد من المسلمين والايزيديين الى أبشع عمليات الابادة الجماعية والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي للمنطقة، فقد تم ترحيل المئات من العوائل الكوردية من مركز المدينة وأطرافها الى محافظات الموصل ودهوك واربيل والسليمانية ومصادرة ممتلكاتها من بيوت وأراض زراعية ومحلات تجارية بتعويضات رمزية في وقتها وبتنازل فوري عن أي حقوق تذكر.
أما في أطراف المدينة وسفوح جبلها الأشم ووديانه العميقة التي كانت تحتضن العشرات من أجمل قرى كوردستان بطبيعتها وبساتينها وروعة سكانها وكرمهم الكبير وأصالتهم التي تمتد آلاف السنين وإصرارهم على الحياة والمحافظة على هويتهم القومية والدينية رغم ما تعرضوا له من مآسي وحملات ابادة بالعشرات، كادت أن تقضي عليهم وتقرضهم لولا هذا الإصرار على البقاء والديمومة.
لقد بدأوا بتدمير القرى ومسحها من الأرض بعد انتكاسة عام 1975 بما في ذلك البساتين وعيون الماء والآثار والمعابد والمساجد، حتى يضن المرء أن زلزالا قد ضرب المنطقة بأكملها فأحالها خرابا يبابا؟
لقد دمروا خلال اقل من ستة اشهر أكثر من مئة وخمسون قرية من اعرق قرى كوردستان وأكثرها جمالا في سفح وحضن الجبل ووديانه، ونقلوا سكانها الى مجمعات بدائية على حافة الصحراء من طرفي المدينة شمالا وجنوبا، كل ذلك لأجل أن لا يبقى أثرا لهوية شنكال وكوردستانيتها وأصالتها الكوردية من خلال رجال كانوا بحق فرسانا للشمس ولكوردستان.
وحينما انهارت دولة العنصرية والتطرف والشوفينية في نيسان 2003 نهض هذا الشعب صارخا بلغته ألام ها هي شنكال تعود ثانية حاضرة من حواضر كوردستان الجميلة، لقد صرخت بأعلى صوتها في أكتوبر 2003 منتخبة مجلسها الأول وقائمقامها الأول بعد نور الحرية والديمقراطية لتستعيد شنكال هويتها التي طالما حاول أولئك البؤساء مسخها وتشويهها بسياستهم البدائية الرعناء.
وحينما أيقن ذلك العدو المتقهقر والمنهار إن شنكال ستخرج عن بكرة أبيها في استفتاء الدستور ومجلس النواب، أرسلوا مفخختهم ليرعبوا مدينة ويمنعوا سكانها من الإدلاء بأصواتهم، كان ذلك قبل انتخابات كانون الثاني 2005 بيومين فقط!؟
ما حدث بعد ذلك كان حقيقة الشنكاليون الذين لا يرعبهم غدر أولئك الذين يحتمون ببهائم انتحارية لا تفقه معنى الحياة، فخرجوا عن بكرة أبيهم رجالا ونساء ليحسموا شرعنة الدستور الدائم بأصواتهم الحرة الصارخة.
وحينما اقترب الوعد في عودة تلك الأجزاء التي سلخوها منذ أكثر من ثلاثين عاما عادوا كالغيلان المتوحشة ليفجروا شاحنات أحقادهم وجبنهم في أوساط الأطفال والنساء والشيوخ في أبشع عملية لأباد اكبر عدد من المدنيين الذين سيدلون بأصواتهم من أجل الحرية والتقدم والازدهار.
سنجار لا تبكي سادتي بل تصرخ وتستبق الموت وصولا الى أحضان كوردستان.
سنجار لا تبكي بل تدفع ضريبة انتمائها جروحا وشهادة ودماء!
سنجار تصرخ وتستصرخكم أيها المناضلون والفنانون والشعراء والكتاب والمؤرخون والمطربون أن تكون سنجار عروس أفكاركم ونبض قلوبكم ولونا من ألوانكم ونغما شجيا من أنغامكم فقط ليس إلا أيها السادة المبدعون!؟ واطمأنوا تماما:
سنجار إن بكت أو أدمعت مدامعها فابشروا إنها تزف الى أوطانها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…