مبادرة سوريا الاتحادية والقرار 2254

القاضي رياض علي 
عندما سمعت من أحد الأصدقاء بمبادرة سميت “بمبادرة من أجل جمهورية سورية إتحادية” أطلقها بعض السياسيين والمثقفين السوريين، والهدف منها وفقا للمبادرين، هو الخروج من النفق المظلم الذي إختنق فيه السوريين لسنوات، إستبشرت خيراً وظننت أن المبادرة هي دعوة لجلسات تحاور ونقاش، كي يتباحث السوريون فيما بينهم، بهدف التوصل لحلول إبداعية قد يأتون بها من خارج الصندوق الذي تم وضعهم فيه لأسباب كثيرة، منها ما رسمته الدول وخططت له دون أن نعي نحن السوريون ذلك، ومنها ما كان نتيجة جهلنا نحن السوريين لمتطلبات المرحلة ودهاليز الألاعيب الدولية وفخاخها،
 زد على ذلك أننا لم نكن نعرف بعضنا بعضا بالشكل الذي تحتاجه مسألة الوقوف بوجه نظام دكتاتوري متمرس على إبادة الآخر المختلف، ومسألة إعادة بناء المؤسسات، والوصول بسوريا الجديدة الى دولة القانون والمؤسسات، وخمَّنتُ للوهلة الأولى أن الهدف هو تركيز النقاش على شكل الدولة السورية القادمة، هل ستكون بسيطة أم مركبة، وقلتُ في قرارة نفسي: لا يعيب المبادرة إن كان القائمون عليها يؤمنون بالدولة الاتحادية (الفيدرالية) ويسعون إلى إقناع الشعب السوري بمزايا هكذا نظام مادامت وسيلتهم في الاقناع هي النقاش وبناء الحجة، خاصة أن هذا النظام أثبت نجاحا في الكثير من دول العالم.
لكن عندما قرأت تلك المبادرة فوجئت بمضمونها، إذ أن المبادرون لم ينتظروا رأي الشعب السوري الموجوع أساساً من ويلات الحرب التي تحصد أرواح الكثيرين منهم كل يوم وساعة، بل قرروا من تلقاء أنفسهم شكل الدولة وعلمها ونظام الحكم والتقسيمات الادارية  للأقاليم، والقواعد العامة لبنية الجيش والشرطة، وغير ذلك من التفاصيل الواردة في المبادرة، ولا أرى موجباً لمناقشة مسألة مدى مشروعية المبادرة، كونها صدرت عن مجموعة شخصيات سورية وكَّلوا أنفسهم بأنفسهم للحديث نيابة عن باقي السوريين وتقرير مصيرهم، مع أن الكثير من السوريين لم يسمعوا بهذه المبادرة حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، وربما لن يسمعوا بها أبداً، لأني أعتقد أن هذه المسألة (مدى المشروعية) من البدهيات التي لا تحتاج الكثير من النقاش والحجة، ناهيك عن أن البعض من المهتمين قد تطرقوا لها وأولوها حقها، وزيادة.
إلا أني وجدت من الضروري أن أُعرِّج بشيء من التفصيل على البند الثاني عشر من المبادرة، الذي ذكر بأن المبادرة “تلتزم بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الخاصة بسوريا، وخاصة القرار 2254، ولا ترى أنها (القرارات المذكورة) تتناقض مع قيام جمهورية سورية اتحادية …”، وهنا نحن أمام إحتمالين لا ثالث لها: وهو إما أن المبادرون يعلمون مضمون القرار2254 لكن يحاولون تجاهل ماورد فيه من تفاصيل تنسف هذه المبادرة وتجعلها بحكم المولود الميت، وسنأتي على تلك التفاصيل في الأسطر التالية، وإما أن المبادرون لم يقرأوا جيداً القرار 2254 ولم يغوصوا في تفاصيله ولم يسندوه على القرارات السابقة والاجراءات اللاحقة، وإذا كنا أمام الاحتمال الأول فتلك مصيبةٌ وإن كنا أمام الإحتمال الثاني فالمصيبة أعظم، ولاتزال الطريق أمامنا شاقة وطويلة، لأن المبادرة في الحقيقة نسفت القرار 2254  جملة وتفصيلا، ولا تتوافق معه لا من قريب ولا من بعيد، مع تحفظنا على الكثير من التفسيرات التي قامت بها الامم المتحدة للقرار المذكور، بضغط من الدول المؤثرة في الملف السوري، والتي أبعدته عن الهدف المرسوم له.
فالقرار 2254 نص صراحة على “دعمه لعملية سياسية بقيادة سورية تسيرها الأمم المتحدة، وتقيم في فترة ستة أشهر حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع وتحدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد ..” كما أكد القرار المذكور على أن العملية السياسية تهدف إلى التنفيذ الكامل لبيان جنيف لعام 2012 وذلك بسبل منها إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخول سلطات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، فهل مرَّ المبادرون على هذه الفقرة، وماذا كان تفسيرهم للموافقة المتبادلة؟ أليس المقصود بها المعارضة والنظام؟، وبالرجوع إلى بيان جنيف نجد أن “هيئة الحكم الانتقالي يمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى” وبالنظر للمبادرة نراها تأسست وانطلقت من طيف واحد، وستسير باتجاه سياسي واحد.
ثم أن القرار الأممي يؤكد على انشاء هيئة حكم انتقالي تسيرها الأمم المتحدة، لكن من يقرأ المبادرة يرى أنها نسفت أي دور للامم المتحدة، وقررت تشكيل حكومة إتحادية مؤقتة تتولى إدارة البلاد والعباد في المرحلة الانتقالية بدلا من هيئة الحكم الانتقالي الواردة في القرار الأممي، كما أنها (المبادرة) ستسمي هيئة تأسيسية كمجلس شيوخ مؤقت للاشراف على العملية الانتقالية، فأين دور الأمم المتحدة في التسيير؟ ثم أن القرار الأممي يتطلع إلى أن تكون هيئة الحكم الانتقالي بديلا عن أي سلطة أخرى موجودة في البلد بما فيها سلطة النظام الحالية، لكن المبادرة “تهدف إلى الإعلان الفوري عن قيام الجمهورية السورية الاتحادية، دون إنتظار السقوط الحتمي القادم للأسد”، أي سنكون أمام حكومتين، الأسد بدمشق والمؤقتة بإدلب، بل سنكون أمام دولتين في وقت واحد، هما الجمهورية العربية السورية و جمهورية سوريا الاتحادية، فهل يعتبر هذا توافقا وتناغما برأي المبادرين؟.
زد على ذلك أن القرار الأممي نص على ضرورة صياغة دستور جديد للبلاد، ونص بيان جنيف على “امكانية إعادة النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وأن تعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام”، وبالنظر إلى الخطوات العملية التي إتخذها المبعوث الأممي الخاص لسوريا السيد ستيفان دي مستورا، وخلفه غير بيدرسون، نجد أنه قد تم الاتفاق على ضرورة تشكيل لجنة دستورية مؤلفة من ثلاثة أثلاث، ثلث يسميهم النظام السوري وثلث تسميهم هيئة التفاوض السورية والثلث الثالث يختارهم المبعوث الخاص من الخبراء والمستقلين وممثلي المجتمع المدني، بينما ذهبت المبادرة الحالية إلى ضرورة “البدء بالتوافق على صياغة اعلان دستوري يصوغه قانونيون متخصصون، ويبدأ تطبيقه على الأراضي التي تحكمها قوى الثورة…”، ولم تشر المبادرة لا من قريب ولا من بعيد أي مشاركة للطرف أو الأطراف الأخرى في الصياغة.
قصارى القول، نرى أن هذه المبادرة، بالاضافة الى الكثير من العلَّات التي تنفي عنها المشروعية وقد ألمحنا اليها في بداية المقال، تتناقض بل تنسف القرارات الاممية الخاصة بسوريا ولا سيما القرار 2254 وبيان جنيف المؤرخ في 30 حزيران لعام 2012، وهذا يعني أنها لن تلق لها أي سند محلي أو دولي، بسبب الاحراج الذي ستسببه المبادرة لكل من سيفكر بالوقوف في صفها أو الترويج لها، لافتقادها لأي حامل قانوني، وبالتالي فانها بحكم العدم الذي لم ولن يولد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…