البارتي رؤية ومنهجاً .. وموقفاً وممارسة

  عبد الرحمن آلوجي

مدخل:
 سبق أن وقفنا – من خلال أدبيات الحزب – على تحديات الفكر الكوردي المعاصر في ثلاثين حلقة نشرت في الجريدة المركزية الشهرية للحزب تباعا , كما درسنا المنطلقات النظرية وثوابت البارتي , في النشرة الدورية المذكورة في حلقات عديدة وطرحت على صفحات الأنترنت والصحف الكوردستانية اثنتان وعشرين حلقة في موضوع أساسي عنوانه : (شذرات في الفكر الكوردي المعاصر),
تزامن مع دراستين ذواتَيْ صلة بالموضوع الفكري , وملامح تشكل ركيزة أساسية لنهج الحزب وثوابته في ستة عشر حلقة حول (ملامح الشخصية الكوردية) وأبرز سماتها وقيمها وتقاليد المجتمع الكوردي التي صبغت سلوكية (الإنسان الكوردي) عبر تشكله وخلال مئات السنين , ليتسم بها ويتميز إلى درجة واضحة , كما أدرجت الدراسة المماثلة , والتي يمكن أن تشكل الملمح الرئيسي للشخصية الإنسانية المفترضة ، والتي تعد الركيزة القيمية والأخلاقية والفكرية للإنسان المعاصر , وهو يعتقد الفكر الإنساني الحر , والرؤية المنهجية الناضجة , والتوجه نحو عالم جديد , تتوضح فيه قيم التراث والمعاصرة , ويتجلى فيه الفكر الديمقراطي الحر , والآخر المساند والداعم لكل عناصر الاستقرار والثبات والمبدئية في (إنسان) حرّ يفكر باقتدار , وينحو إلى الاستقرار , ويدعو مجتمعه الإنساني إلى الانفتاح على الحضارات والفلسفات، والاقتباس الخير من القيم الروحية العظيمة التي أفرزتها تعاليم الرسل والأنبياء, وكلماتهم ومواقفهم , والدين المشترك , والرؤية التوحيدية والموحدة الشاملة , الداعية إلى العدل والمساواة والسلم والأمن والتسامح ورفعة الإنسان , وبناء المجتمعات , ومدها بعناصر البقاء والاستمرار والرحمة والخير , ومحاربة الإرهاب والقتل والعنف , وإزهاق أرواح الأبرياء، والسحق على الهوية ونشر الرعب والهمجية والانتقام المستند إلى تراث الكراهية والنبذ والحقد لخلاف فكري ، عقائديا أو مذهبيا ، أو رؤية مغايرة لا تكاد ترقى إلى قوة إقناع الآخر ، باللجوء إلى القهر والقسر ، ونقل الأفكار ، وتبديل الآراء ، وتغيير الهوية القومية والمذهبية وهو المحرم فكريا و المحارب في الفكر المدني الحر ..

وكل ما ينجم عن كل ذلك من ردود في الأفعال معاكسة ومعادية وموجهة إلى الآخر في عملية تبادلية ، يقع الإنسان ضحيتها وهو لا يكاد يجتاز هذه المحنة إلا ليجد نفسه في محنة مركبة أشد هولا ، وأقسى وقعاً ، وهو ما يحدث في كثير من المجتمعات والدول ، وعلى مستوى الأفراد، مما يولد قيم الجريمة وأسباب وعوامل التناحر والاقتتال ، ويجر إلى ثارات وحروب طاحنة ، تضاعف آلام البشرية في الفقر والكوارث والنكبات والآثار الطبيعية المدمرة في الزلازل والأعاصير والبراكين والتلوث البيئي والاحتباس الحراري ، إضافة إلى الكوارث المصنوعة والتي يتدخل الإنسان في التهيئة لها ، وتوفير عوامل الانفجار والتدمير والدفع باتجاه خطر الكارثة الإنسانية النووية والكيماوية والجرثومية ، في سباق محموم نحو التسلح بأسلحة الدمار الشامل والتسابق إليها ، وما تشكل من التهديد لكل منجزات الحضارة الإنسانية ، والتراث العلمي والتكنولوجي بخطر ماحق يمكن أن يرد البشرية إلى القرون البدائية الأولى ، أو يزيلها من الوجود ..

الأمر الذي يدفعنا ويؤكد يقيننا بالتوجه إلى مزيد من التعقل والحكمة والتأمل لوقاية البشرية من الأخطار والشرور المحدقة , والتي لابد من تحصين العقل الإنساني , والفكر والمنهج العلمي , عبر لغة هادئة , تعتمد الحوار , وتعطيه تألقه وعمقه وقوّة البادرة فيه , وسرعة الانتقال إليه , وتمرين النفس والعقل لتلقيه بمرونة بالغة وحكمة واضحة , ومنهج سليم , لتغليبه على كل عوامل التوتر والاحتقان والتراكم , والفكر القمعي , والرؤية الاستئصالية , ومحاولة الإقناع بالقوة , بدل اللجوء إلى قوّة الإقناع , وجمال المنطق , وروعة الفكر الإنساني , وهو ينسرب هادئاً في الأعماق , مقنعاً , جميل المأخذ , مشرق الأداء , واضح المنسرب , دقيق المسلك , وهو يتخذ لبوساً علمياً منهجياً , سليم التوجه  , سديد الهدف , واضحاً لالبس فيه ولاتشابك ولا تعقيد ..


لقد كان لنا أن نطرح قيمنا وآراءنا  و توجهاتنا المنهجية , وأن ندل على مصادر فكرنا , وطريقة توجهنا , ودقة رؤانا , ونحن نحدد – في البارتي – القيم الأخلاقية , والروابط القيمية العليا , والخط المنهجي التصاعدي , والمرونة الحركية في التجدد , وفق الثوابت والمنطلقات الأولى , التي تحددّ القوام الفكري النظري , والمنطلقات الأساسية في الفكر والتكون والارتقاء , وسبل تطوير هذه الأداة المعرفية , لتكون المنطق لحياة ورؤية وموقف يتجدد , ولا يكاد يقف على أرضية جامدة , فالفكر الإنساني , وقواعد العمل السلوكي المنبثق عنه , ومجالات الاجتهاد فيهما , والمستند العلمي ” مصدراً , ومنطلقاً ورؤية واضحة ..” تحدد الفكر , وترسم منهج العمل , وترقى بهما إلى الحيوية والتجدد والانطلاق , وهو ما رسم من خلال حلقات منشورة في معظم أدبيات الحزب , والمواقع الإلكترونية في الشبكة العالمية /الأنترنيت /  وما كان من تعميم يمكن أن يغتني بمزيد من الملاحظة والنقد والدرس ومتابعة كل بحث , وهو ما كان يحدث بين الحين والآخر من (قواعد النقد المنهجي) , والملاحظات النقدية التي تراكمت عبر حلقات , يمكن الرجوع إليها أيضاً , لتقع تحت الفحص والتأمل والدرس , وتوصل إلى مجمل آراء نقدية متطورة , تشكل الركيزة الثانية في القواعد النظرية والأخرى المنهجية لفكر البارتي ومصادره , ورؤيته القومية الإنسانية وتصوره في موازين الفكر العالمي , والقيم المساندة لأي توجه يفترض فيه ألا يكون معزولاً , ومحاطاً بأسيجة إقليمية أو محلية , لأن ّ الفكر الإنساني بما يحمل من شمول الطرح , وعموم النظرة , على جانب الخصوصية التراثية والقومية , من شأنه أن يعلو ويسمو ويرتقي بمقدار ما يحطّم الحواجز الصنيعة , والرؤى المحدودة , والفكر القومي الساذج والسطحي والمتقوقع , وهو ما حذرنا منه , وشدّدنا التفكير عليه , وخاصة في الممارسة النقدية , كان ذلك عبر سلسلة من المقالات والأبحاث حول الفرق بين  المفهوم القومي القائم على العنصرية وإلغاء الآخر , والواجهة البدائية لهما , والفكر القومي ذي البعد الإنساني , والرأي الحر والتلاقي مع فلسفة الحضارة الإنسانية , ومدى تكاملها , وتداخلها , وتواؤمها مع الرؤية الإنسانية والمدنية الشاملة , وهو ما ركزنا عليه , وأثرناه في جملة ردود واضحة أبرزها بحث (حزمة من العنصريين ..)

لقد أردنا في هذا المدخل أن نبحث عن مصادر الفكر القومي الكوردي ومنابعه , وقيمه , والمثار حوله من الجدل والأخذ والردّ , وما كتب حول تحدياته المعاصرة , ومدى تداخله وتوافقه مع الفكر الإنساني , في جملة مثارة من الأبحاث والدراسات والتي يمكن لو جمعت أن تشكل (مادة علمية) تؤسس لدراسة منهجية , تحدد الرؤية , وتوضح الأفق , وإن كانت مهمة هذا المدخل مجرد إشارة إلى ما تم ّ درسه , وما أعد وما يمكن أن يعد من قيم متحركة , وأخرى ثابتة تعد منطلقاً للأولى , على المستوى الفكري العام , والرؤية المنهجية في الموقف الملتزم والواضح من التطور العالمي والإقليمي والوطني العام , وعلى المستوى القومي , وما هو المفترض من تطوير الأداة والوسيلة النضالية , وقواعد ومنطلقات هذا التطوير (وهو جعل الحزب ترجمانا وموقفاً وممارسة)،مما يجعله في خدمة الأمن والاستقرار والرؤية الحضارية والأفق الإنساني الوضيء , والتصور القومي الواضح , من خلال تبادل الفكر والمشورة والتحاور ..

وهو ما سوف نعالجه بالتفصيل في الأبحاث اللاحقة , وبرؤية منهجية علمية ونقدية ..

وقد قدم في هذا الإطار التقرير العام الشامل إلى مؤتمرنا العاشر الذي نظر فيه بعمق وعدّله وأضاف إليه , وجعله أحد الركائز الأساسية في فكر البارتي ودستوره ورؤيته الحضارية والعلمية إلى الحدث , مما يمكن الاقتباس من فقراته والإشارة إلى أبرز قواعده الفكرية , في الأبحاث والدراسات اللاحقة والتي سوف تأتي تباعاً ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

السيد رئيس الجمهورية الأخ الأستاذ احمد الشرع المحترم الاخوة المحترمون بالائتلاف الحاكم – دمشق تحيات الاخوة والمصير المشترك في الوقت الذي نتوجه اليكم من جديد بالشكر والعرفان بالجميل على انجازكم الرائع في تحقيق اهداف ثورتنا السورية بدحر الاستبداد ، واسقاط الدكتاتورية في الثامن من كانون الأول المنصرم ، نضع امام ناظريكم الصورة الواقعية المأزومة لواقع الحالة الكردية السورية الخاصة ،…

1 – كُنتُ في مدينتي ديريكا حمكو/ ديريك (المُعرَّبة إلى المالكية) أثناء وقوع الأحداث الدَّامية في شهر آذار (يوم الجمعة 12/ 3 /2004م)، لكنّني كبقية أهالي المدينة (وعامة منطقتنا) سمعتُ بأنّ مُشجّعي فريق الفتوة القادمين من دير الزور بسيّاراتهم، وأنّهُم حين دخلوا شوارع مدينة قامشلي بدؤوا بتوجيه العبارات البذيئة (سبّ وشتم) بحقّ رموز الشعب الكردي.. وبعدها في الملعب البلدي نُفِّذت…

عبدالجبار حبيب   منذ أن اشتعلت نيران الحرب في سوريا، تهاوت جدران الاستقرار، واندلعت صراعات أيديولوجية وسياسية جعلت البلاد ساحةً مفتوحةً لمشاريع دوليةٍ وإقليميةٍ متضاربةٍ. وفي خضمِّ هذا المشهدِ المعقدِ، تُثار تساؤلاتٌ مصيريةٌ حول وحدةِ الأراضي السوريةِ وإمكانيةِ فرضِ نموذجِ حكمٍ جديدٍ يُعيد ترتيب ملامح الدولةِ. فهل تقف سوريا اليومَ على أعتابِ التقسيمِ؟ أم أنَّ الإرادةَ الدوليةَ والإقليميةَ ما زالت…

هدى الحسيني بعد شهر من دعوة الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان، حزبه إلى إنهاء تمرده الذي دام 40 عاماً مع تركيا، صار مستقبل المجتمعات الكردية المنتشرة هناك وفي سوريا والعراق المجاورتين، معلقاً في الميزان. أثار بيان أوجلان غير المسبوق في 27 فبراير (شباط) الماضي الذي حث فيه حزب العمال الكردستاني على نزع السلاح وحل نفسه، الآمال بين المواطنين الأكراد…