سرديّة التركيبة الجينيّة للرفيق البعثي «المناظل»

فرمان بونجق
أصلُ الحديث يمسّ بشكل أو بآخر السلوك البشري الناتج عن أدلجة الفكر، من خلال التلاعب بتركيبته الفكرية، ودفعه باتجاه التدجين القسري، استناداً إلى تحفيز العقل أحياناً، واستجراره إلى مكمن القطيعة مع الذات الإنسانية، عبر توفير هِبات أو مكافآت أو امتيازات وقتية وآنيّة، وبالتأكيد شخصية بحتة. وأحيانا أخرى يتم التلاعب وأيضاً ضمن سياق هذه الأدلجة الفكرية، وعلى نسق محاولة أخرى، وهي تضادية مع مسلك التحفيز، كدفع الفكر إلى حالة الخمول والعطالة، لاستسهال قيادته كيفما شاء، وما تقدم يؤدي إلى التأسيس لثقافة القطيع، والتي تُعتبر الحجر الأساس في سياسات الأحزاب الشمولية، وحتى نصف الشمولية، بمعنى تلك الأحزاب التي تمارس الديمقراطية ظاهراً، ولكنها تمارس شكلاً مقنّعاً من الدكتاتورية، وفي كل الحالات، هذه الأدلجة الفكرية وكما هو معلوم، تنتج ثقافة العدم، وبالتالي فإن مثل هذه الثقافة تكرّس سلوكاً لا بشرياً، يقود المجتمعات إلى الهاوية.
 هذا الحديث يقودنا إلى التوقف قليلاً عند تجربة حزب البعث العروبي الأصل، والمُسْتقطِب لأفراد آخرين ينحدرون من قوميات أخرى غير القومية العربية أيضاً، وظيفة هؤلاء الأفراد الأساسية إضفاء الطابع الوطني على هذا الحزب، ولعب دور الرتوش التجميلية ، إذ أن الرفيق “المناظل” هو الحجر الأساس في اللعبة الحزبية تلك، وفيما عداه من قوميات أو اثنيات أخرى تؤدي دور التابع الذليل، والذي يتم تسخيره عادة للمهام القذرة والحينية بطبيعة الحال، وقد قيل عن هذا الدور في القصّ الشعبي، أو الحكاية الشعبية، أو تم تشبيهه بدور كلب الصيد، وسوف آتي على هذه المسألة لاحقاً عبر كشف المستور عن العلاقة بين الطرفين، على الأقل لنقف على حقيقة الأوضاع التي كانت سائدة في هيكلية سلسلة القيادة بدءاً من التشكيلات المتناهية الصغر، وصولا إلى قيادة الحزب، ولكن ما يهمني هنا وبالدرجة الأولى دراسة كينونة البعثي الكوردي، وليس الكوردي البعثي، والذي انتزع تسمية ” بُعيْثي ” من قبل محيطه وبجدارة، حيث كان يتهامس الناس قائلين ” بعسيكو “. وهذه التسمية أتت ضمن سياق طرفة شعبية، وسوف أرويها عبر مقالة أخرى لاحقاً.
بالعودة إلى العنوان، وبالحديث عن خصائص الجين البعثي المكتسب عبر تدجينه فكرياً، وتالياً سلوكياً، فقد تمت قولبته ومَوضَعته على شكل جزء من الآلة الكبيرة، والتي هي ذاك الحزب الشمولي، ويؤدي وظيفته الحزبية ضمن تلك الآلة بإيقاعات منتظمة ومُسيطر عليها، ويتم رميه لاحقاً واستبداله بمجرد تآكله وإصابته بالعطب. ولكن.. هل كان للبعثي الكوردي أي البُعيثي ذات الدور وذات الوظيفة في تلك الآلة؟. الجواب: قطعاً النفي، فهو ليس عروبياً وإن ادعى ذلك أحياناً، وهو غير مؤتمن لأي دور يؤديه، وغير موثوق فيه، باستثناء تكليفه بكتابة التقارير الاستخبارية حول نشاطات بني قومه المفترضين، وغالباً هذه التقارير يتم التأكد من صحتها مراراً ومراراً، ولذات السبب المذكور آنفاً. وهذا يضعنا أمام حقيقة وأهمية وجود هذا العضو في هذه المنظومة الحزبية، إذ لم يسجل تاريخ حزب البعث خلال نصف قرن من مسيرته، أن يحتل بعثي كوردي منصباً حزبياً لا على مستوى قيادة الحزب العليا، كالقيادة القطرية، أو حتى الهيئات الأدنى منها بكثير، كما لم يسجل تاريخ أي بعثي كوردي أن احتل منصباً إداريا رفيعاً في الدولة، كرئيس لمجلس الوزراء أو وزير أو حتى محافظ، باستثناء إشغال رجال الدين المنسلخين أصلا من كورديتهم في مواقع دينية ليس لها أية أهمية سياسية، كموقع مفتي الجمهورية مثلاً. في الوقت الذي كان البعثي الكوردي يبذل قصارى جهده ـ وإلى درجة المبالغة أحياناً ـ ليثبت لقياداته وفاءه المنقطع النظير لحزبه ومبادئ حزبه، ولكن كل هذه الجهود كانت تذهب هباءً منثوراً، ولم يكن ليعتد بها. 
ينبغي هنا التأكيد، على أن هذا التغيير الجوهري في فكر وسلوك وشخصية هذا البعثي الدخيل إلى محيط غير محيطه، وبيئةٍ غير بيئته، وسَمَته بطابع هجين، فما عاد من هؤلاء، ولا من أولئك، واكتسبت جيناته تسلسلاً ليس كما كانت جيناتُ سلالتِه الأصيلة، بينما استمر الآخر ” العروبي ” وفيّاً لعروبته، ولمبادئ حزبه، موثوق به، ويرتقي درجات سلم القيادة دون عوائق تُذكر. وهذه المقاربة تقودنا إلى مرحلة لاحقة تشكلت بفعل الثورة السورية، وأنجبت خصائص جديدة كلياً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً أيضاً، مما دفع بهذه الشريحة إلى الاندفاع والتهافت على احتلال مواقع جديدة في أماكن جديدة، طبقاً للحالة المُفرزة، وقد حدث أن البعض من هؤلاء استطاعوا أن يسجلوا اختراقات، ولكن الذي يدعو للأسف أن هذا البعض لم يتخلَ عن تركيبته الجينية المكتسبة، وبالتالي لم تتغير رؤاه، وهو لايزال مثابراً على سلوكه الذي كان. من هنا كان واجباً على النُخب الثقافية والسياسية، العمل وبجديّة على منع تسلل هؤلاء من الأبواب الخلفية، عبر تشغيل منظومة المناعة المجتمعية، لتكون بالتالي إحدى وسائل الحماية الضرورية، لأبنائنا، وأحفادنا، وللأجيال القادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس هل يمكن لشعبٍ ما يزال يبحث عن تثبيت وجوده، أن يتحمّل ترف تحويل النقد إلى ساحة تهجّم، والخلاف إلى انقسام؟ أم أننا اعتدنا أن نستهلك طاقتنا في الداخل، حتى بات الصراع بيننا أكثر وضوحًا من صراعنا مع من ينكرنا؟ هل أصبح النقد عندنا أداة لتصفية الحساب، لا وسيلة لتقويم المسار؟ وهل فقدنا القدرة على التمييز بين مساءلة…

شادي حاجي في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بالمشهد السياسي الكردي في سوريا ، يبرز نمط من الخطاب العام يتّسم بقدر عالٍ من التوتر والانفعال ، حيث تتكرر مفردات مثل “ الخيانة ” و“ العمالة ” و“ السمسرة ” بوصفها أدوات جاهزة لتفسير الخلافات والتباينات . ورغم أن هذا الخطاب يعكس مشاعر حقيقية من القلق والإحباط ، إلا أن…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي يُشاهد العالم استراتيجية جديدة في الاتفاقيات الدولية والداخلية من حيث التضليل والحقيقة عن الإعلان بنود الاتفاقيات المبرمة بين الدول أو الجهات المحلية المتنازعة بكامل بنودها، الحقيقية التي تم التفاوض والقبول عليها للإعلام. وحدها التفاصيل الحقيقية هي التي تعزز المصداقية داخليا وخارجياً, فإخفاء الحقيقة عن الرأي العام يترك قلقاً دائما لدى الدول التي تربطهما مصالح مشتركة وحتى…

خوشناف سليمان تُعد إشكالية الشخصنة، وما يرتبط بها من مركزية مفرطة في العمل الحزبي، من أبرز العوامل المفسِرة لهشاشة البنى التنظيمية وكثرة الانشقاقات في الأحزاب ذات الطابع التسلطي. فعندما تتركز السلطة بيد السكرتير العام والدائرة الضيقة المحيطة به، تتقلص فرص المشاركة الديمقراطية للقواعد الحزبية، وتضعف آليات النقد والمساءلة الداخلية، ما يحول الحزب تدريجياً إلى أداة لترسيخ هيمنة النخبة بدل أن…