الكرد والوعي الصحيح – 2/2

http://www.welateme.net/erebi/30/mehmud_ebas.jpgد. محمود عباس
  لا شك أن الكردي إذا استخدم قدرته بعقلانية يمكنه أن يحقق ما يراه صعبا. ما يعيقه في هذه الحالة أنه يظل يستحضر في مواجهة الصعاب ما تلقاه من بدائيات الحلول في صغره وعند يفاعته؛ فالمجتمع الكردي المغلق بحكم طبيعته من جهة ومن جهة أخرى تطبيق انصهارهم المبرمج من قبل السلطات المقتسمة لوطنهم. فيتوارى الإدراك السليم من ذاكرته خلف أطنان الرعب والإرهاب المفروضين عليه؛ لذا تأتي أحكامهم على الأمور بتلك المعايير البدائية، وتكون مخرجاتها بدائية أيضا. فوكيل معلم مثل أحمد صابر عباس، عندما جزء العمل وأدرك الطريقة الصحيحة طبقها خطوة بخطوة، دون أن يقفز على مراحلها أو مستعجلا للوصول إلى النتيجة المطلوبة، بل عمد إلى تهيئة هؤلاء التلاميذ الذين ليس بمقدورهم في تلك السن أن يميزوا بين السر المهم والسر البسيط، 
فأهم بالتشديد على أهمية السر، إلى أن اقتنع لا وعيهم بأهميته، وتكون لديهم جسامته، وتجاوبوا معه، رغم حداثة سنهم، فواكبوا المتغيرات، واستعدوا للمفاجآت غير السارة، وكانت النتيجة المرجوة طبيعية حينما كانوا يصادفون زيارة المفتشين أو المسؤولين، دون إهمال أو نسيان ما يجب إخفاؤه، وما هو المطلوب إنشاده لدى دخول هؤلاء المفتشين والمسؤولين إلى قاعات صفوفهم. وكانت سرعة تحولهم من السابق إلى الحادث في منتهى التطبيق السليم. ينبئ هذا عن مدى اعتناء معلهم في إتقانها ومدى الجهد الذي بذله هذا وكيل المعلم لإجادتها؛ كي يجنب نفسه وتلاميذه وآباءهم المساءلة الخطيرة والعسيرة.
وما يؤسف له أن معظمنا لا يعتني بدارسة الأمور عميقا، فيبدأ بما تلقاه أو ما هو سائد في محيطه، دون التمحيص فيها كما يجب، فيواجه الفشل تلو الفشل. ماذا كان سيحدث لو أن تنظيماتنا السياسية باشرت في بدايتها إلى تعبئة أتباعها بالتاريخ الكردي، كما فعل الأستاذ أحمد صابر؛ كي يدرك الكردي أنه ليس بلقيط أو لا يملك تاريخا مشرفا؛ ليكون دافعا له بعدم الشعور بالدونية أمام محتليه، وليقف في وجه المقتسمين لكردستاننا واثقا من نفسه معتزا بتاريخه المجيد جاهدا إعادة تلك الأمجاد الضائعة، وليس أن نشعر كأننا لسنا جديرين بهذه الأرض، بل نحس في دخيلتنا أن هؤلاء أحق منا بها؛ كوننا شعب لا تاريخ لنا سوى المخدومية للغير. 
   فالتاريخ من أكبر الحوافز للمرء. وهو الذي يخلق لدى أبناء شعب ما الوحدة والدفاع العقلاني والمميت من أجل التحرير. وكانت مهمتهم الأولى هي إشباع الجماهير الكردية بتاريخها العريق وبطولاتها المجيدة. كان حريا بهم تمكين الكرد على النضال القادر على تهيئة أسباب التحرير، وكذلك إحاطتهم بالأساليب الجديرة في اختراق الأنظمة المقتسمة لأرضهم، وليس إعلامهم بظفر الشعوب التي نالت حريتهم في مرحلة ما بعد التحرر أو تزويدهم بمعلومات مضخمة بعيدة عن الحقيقة؛ مما ينقلب على الكردي المنتسب إلى التنظيم وباء لا شفاء منه. لا أن يهولوا في نظره مسألة التحرير؛ ليقع خرير القوى أمام المقتسمين، ويتحول إلى فريسة سهلة للاختراق والخضوع. وليس هذا فحسب، بل لا يزال معظمنا لا يعلم الكثير عن النظام الشمولي، الذي خيم على غرب كردستان منذ دخول الناصرية وإلى الثورة السورية في 2011م.
   ما يزيد على نصف قرن وتنظيماتنا تناضل في ظل نظام شمولي وكأنها كانت تعيش تحت حكم نظام برلماني قريب عن برلمانات الغرب. فالنضال في ظل الشمولية يختلف كليا عنه في ظل الأنظمة شبه الديمقراطية، ودون أن تكون لنا جبال عصية أو دول صديقة مجاورة، ونضال بذلك الأسلوب كانت نتيجته الفشل والفشل الذريع. في ظل مثل تلك الأوضاع سار الحراك الكردي بذاك الأسلوب في النضال، وهكذا لم يستطع حتى أن يسترد لنا جنسياتنا المسحوبة منا… فاستقدم المحتل الغمريين إلى أرضنا وحولنا أجراء فيها بعد أن كنا أصحابها ومالكيها. جاء هذا التصرف الفج من عدم استيعابنا للنظام الشمولي، ولم نفكر يوما كيف أن المنظومة الاشتراكية بعلمائها ومخترعيها ومبتكريها وأدبائها وكتابها لم يستطيعوا أن يجابهوا السلطة إلى أن انهارت من الداخل. 
  طالما الأمر كذلك فكيف لنا أن نجابه ذلك النظام؟ صحيح كان هذا غير ممكن في المعسكر الاشتراكي، وما فعله المعارضون هناك؛ أنهم أنشأوا حكومات لهم في المنفى، ولم يتخلوا عن النضال، ولكن ليس بأسلوبنا. فكان لهم مناصروهم ومساندوهم في الدول الغربية وكانوا يتلقون المساعدات منها واستمروا فيها إلى آخر فرصة، ولكن طريق النضال لدى الكرد كان من نوع آخر، غير ما كان عندهم؛ لذا لم يحقق الكرد شيئا في غرب كردستان، ولم يكونوا معروفين كما ينبغي لدى الدول الغربية. 
إذا أخذنا بعين الاعتبار كيف قام وكيل المعلم أحمد صابر عباس في نفس الظروف بتعليم التلاميذ الكردية والتاريخ الكردي والإحاطة بالسرية وغيرها من الشروط الواجب اتباعها في سبيل إنجاح المهمة؛ لعلمنا مدى تخلفنا في هذا المجال. لقد أدرك الأستاذ أحمد صابر طريقة العمل السليم فاتبعها، وكان النجاح حليفه، بينما تنظيماتنا لم يفلحوا الفكر في إيجاد السبيل إلى النضال الصحيح إلا بأسلوبه المعروف والكلاسيكي. ولدى مراجعة تلك الحقبة نرى أن طريق العمل في ظل النظام الناصري والبعثي كان ممكنا؛ ولكن لم يدركوها، ولشرح ما كان ممكنا اتباعه آنذاك يحتاج إلى مقالات ومقالات طويلة. 
لو كان وعينا صحيحا سليما لما تغير ديمغرافيتنا منذ الناصرية وإلى الآن، ولما تحولنا إلى أجراء في أرضنا. لكنا اليوم، على الأقل، شركاء، بما يناسب عددنا، مع المعارضة السورية، ولما قيل عنا أننا وافدون، ولا قيل عنا أننا نسيج بسيط من النسيج السوري.
علينا أن نصحح وعينا، ونهذب إدراكنا، ونزيد من اطلاعنا المثمر المفيد، ونراكم من معرفتنا المجدية…
الولايات المتحدة الأمريكية
 mamokurda@gmail.com
24/6/2019م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خبر صحفي : أصدر آل عبدي الهدو في أوروبا بيانا هاما موجها إلى جميع عشائر المنطقة المقيمين في أوروبا، تضمن قرارا جماعيا يقضي بإلغاء جميع مراسم العزاء في دول المهجر، والاكتفاء بإقامتها حصرا في الوطن، مع قبول التعازي في أوروبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقط. وقد جاء هذا القرار بعد مشاورات واسعة وموافقة صريحة من كبار السن ووجهاء…

المحامي محمود عمر أيها المهرولون نحو دمشق مهلاً فحري بنا جميعا في هذه المرحلة الحيوية والحساسة والمفصلية ـ أن نجعل القضية الكوردية وحلها فوق أي اعتبار آخر،علينا أن نبتعد ولو قليلا عن أنانياتنا واصطفافاتنا الخلبية ، وأن يكون وحدة الموقف الكوردي نصب أعيينا في كل وقت وحين ،وأن لا ننخدع بالأقوال المعسولة والدعوات إلى لقاء أو محفل هنا أوهناك ،وكلنا…

مصطفى جاويش لو اتيح لي محاكمة الرئيس السوري السابق بشار الاسد لما حكمت عليه بالاعدام شنقا كما حكم على الاف المناضلين السوريين بالاعدام بتهم مختلفة، ولما حكمت عليه رميا بالرصاص كما رمى على الاف السوريين المتظاهرين سلميا وقتلهم، ولا حكمته حرقا كما حرق الثائرين على حكمه احياء واموات، وكانت رائحة حرق الجثث تفوح وتملا سماء حلب وخاصة في الصباح الباكر….

كفاح محمود حينما كان الرئيس الراحل عبد السلام عارف يُنعى في أرجاء العراق منتصف ستينيات القرن الماضي، أُقيمت في بلدتي النائية عن بغداد مجالسُ عزاءٍ رسمية، شارك فيها الوجهاء ورجال الدين ورؤساء العشائر، في مشهدٍ يغلب عليه طابع المجاملة والنفاق أكثر من الحزن الحقيقي، كان الناس يبكون “الرئيس المؤمن”، بينما كانت السلطة تستعدّ لتوريث “إيمانها” إلى رئيسٍ مؤمنٍ جديد! كنّا…