توصيف مذبحة كوباني «بليلة الغدر» خطأ سياسي ولغوي

صبري رسول
لماذا سُميَت مذبحة كوباني بـ ليلة الغدر؟
لاحظتُ أنّ معظم مَنْ تناولوا موضوع «مذبحة كوباني» المروّعة ليلة دخول مجموعة داعشية المدينة في 25 حزيران عام 2015م وارتكبت مذبحة بشرية فظيعة بحقّ 230 مدنياً و35 مقاتلاً وصفوا المذبحة «بليلة الغدر». 
والتوصيف يأتي خطأً في مدلوله السياسي واللغوي، وأصبح دارجاً في بيانات سياسية وكتابات غالبية الكتّاب الفيسبوكيين – ليس تصغيراً من قيمة الكُتَّاب ولا من قيمة هذه الصفحة الزرقاء- ونصوص الكثير من الكتاب المحترفين دون أنْ يقفوا عند معانيها. وهكذا تلقّفها السياسيون وقيادات حزبية كثيرة واستخدموها هكذا. وأرى بأنّ ذلك خطأ سياسي ولغوي. فقط مجرد وجهة نظر. 
أولاً: لنقف عند معاني هذه المفردة: 
الغدر لغة: الغدر ضدُّ الوفاء بالعهد. يقال: غَدَرَه وبه، غَدْرًا وغَدَرانًا- محركةً- إذا نقض عهده وترك الوفاء، وهي غَدُور وغَدَّار وغَدَّارَة، وهو غادِرٌ وغَدَّار وغِدِّير وغدور وغُدَرٌ.
 وأصل هذه المادة يدلُّ على تَرك الشيء. ومن ذلك الغَدْر: وهو تَـرْك الوفاءِ بالعهد.
غدَر فلانًا / غدَر بفلان: خانه ، نقَض عهدَه وترَك الوفاء به.
معنى الغدر اصطلاحًا: 
وقال المناوي: (الغدر: نقض العهد والإخلال بالشَّيء وتركه) 
وقيل هو: (نقض العهد مطلقًا في لحظة لم تكن متوقعة ولا منتظرة) 
ثانياً: من خلال ما ورد في معاني هذه المفردة لغة واصطلاحاً يكون من الخطأ إطلاق توصيف «الغدر» على مذبحة كوباني للأسباب التالية:
تبيّن أن معانيها تخالف ما حصل ليلة المذبحة. 
داعش تنظيمٌ إرهابي، والإرهاب لا يلتزم بأي قيمٍ أخلاقية أو دينية أو سياسية. فالإرهاب قائمٌ على القتل والنهب والسلب والسبي والاغتصاب، حتى المحاصيل تلقى نصيبها من الإرهاب. 
لم يُهادن داعش أحداً، ولم يوقّع أي تعهد أو اتفاقية مع أي طرف وفق بنود خاصة حتى ينقض العهد. لم يصرّح هذا التنظيم ذات يوم بأنّ حربه مع العسكر والجيوش فقط، وعلى هذا فحربه مع البشرية بكلّ قيمها الخيرة. ونخصّ بالذكر أنّ الشعب الكردي هو المستهدف الأول حالياً من حروب هذا التنظيم الكارثية، كدخوله والفصائل المقربة منه سري كانية 2012 واجتياحه شنكال 03‏/08‏/2014م وقيامه بالمذبحة الكوبانية في 25/6/2015م ومعروفٌ أنه انبثق من رحم تنظيم القاعدة في العراق الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي الأردني في عام 2004، عندما كان مشاركًا في العمليات العسكرية ضد القوات التي تقودها الولايات المتحدة.
ثالثاً: 
فالنقض أو الغدر يكون عندما يتمّ تفاهم بين شخصين أو طرفين، شفهياً أو كتابياً، ويقوم أحدهما بنقض الموقف تركه لمصلحة خاصة به. عند هذا يمكن إطلاق وصف الغدر بالطرف الذي نقض العهد.
داعش لم يكن على تفاهم ما مع أي طرف عسكري أو سياسي، وفق معلوماتي الضحلة، وعدوانه الكبير على كوباني بمجموعة عسكرية دخلت بيوت الناس وقتلتهم بدم بارد يمكن وصفه بالجريمة، والمذبحة، وارتكاب أبشع أنواع العنف ضد المدنيين، وإدانته فرض عين على الكرد إلى يوم القيامة. 
إلى يومنا هذا لم يدوّن أحد تفاصيل حقيقية من كلّ الزوايا، من روايات الناجين وممن شهدوا الواقعة وعايشوها، لتتوضّح الصورة الحقيقية وليس كما رواها ممن هم بعيدون عنها أكثر من أهلها.
فلماذا سُمِيَت ليلة المذبحة في هذه المدينة بـ«ليلة الغدر»؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…