بعد نصف قرن من التأسيس ، ما هو الجديد ؟؟

  صالح كدو

لقد أعددت هذه المقالة قبل أسابيع وتحديداً في حزيران مع إطلالة الذكرى الخمسين لتأسيس أول تنظيم كردي في سوريا ، ولكنني تريثت في حينها خشية أن يؤدي نشرها إلى خلق الحساسية لدى بعض الإخوة ، ومن ثم قررت النشر أخيراً مع كل الحرص على تجنب المهاترات ، التي بات يعتمدها بعض العناصر والأقلام الرخيصة .

ولا بد لي وأنا احيي هذه الذكرى المجيدة .

أن انحني إجلالا لتضحيات أولئك الرفاق الذين وضعوا اللبنات الأولى لتأسيس أول تنظيم كردي في سوريا .

وأنا اعتز مع آلاف الوطنيين الكرد بما قدمته تلك النخبة البطلة ، من جهود كبيرة في سبيل الارتقاء بالحزب و تعزيز موقفه النضالي ، على الساحتين السورية والكردية وتعمق نهجه القومي الوطني وتعبيد الطريق أمام الأجيال الكردية المتعاقبة لمتابعة المسيرة النضالية .


وإنني اعتقد بأنه ليس هناك من احد يستطيع أن ينفي دور ذلك الرعيل العظيم ، الذين نحن جميعا مدينون لهم بالكثير الكثير ، ولكن هذا لا يعني بقاء الحركة الكردية أسيرة الماضي وحده ، دون الوقوف عند المسيرة الطويلة التي امتدت لنصف قرن ، وواجهت الكثير من التحديات ، وارتكبت متمثلة في قياداتها ، وليست في قواعدها الكثير من الأخطاء والسلبيات ، التي كان من نتائجها المزيد من التشرذم والانقسام وغياب الثقة المطلوبة بين الجماهير وحركتها السياسية ، مما يستدعي التدقيق في أسباب هذه التداعيات والاحباطات التي تشكل انعكاسة حقيقية لمجمل الحركة الكردية .

وان نأخذ العبر منها ، وان نبحث معاً عن السبل من اجل تأمين مستقبل أفضل للحركة الكردية .


إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة ، ما هو الجديد بعد خمسة عقود من التأسيس ، ونحن نعيش عصر العولمة والديمقراطية والتجديد الذي لم تعد فيه مكاناً للعقلية الشمولية والنزعة الفردية ، التي تتناقض مع متطلبات المرحلة وتطلعات جيل الشباب المتمثل في توحيد الخطاب الكردي ، واحترام القيادة الجماعية ، وترسيخ القيم الديمقراطية ، والتصدي لكل المحاولات التي ترمي إلى تكريس دور الفرد الذي يعيق من تطور الحركة الكردية وديمومتها .

ففي هذا الظرف الدولي والإقليمي المضطرب ، وفي ظل التغييرات العاصفة ، يتميز وضع الحركة الكردية بالضعف والتراجع ، وبإمكاني القول بأنها اليوم في أسوأ حالاتها ، فهي تعاني للآسف الشديد من التشرذم والانقسام كما أنها تعيش أزمة عميقة على مستوى النظرية ومستوى الممارسة العملية .

الأمر الذي ينعكس بوضوح على قوتها ومواقعها وتأثيرها سواء في أوساط الجماهير الواسعة أو على الساحة السياسية السورية .


إني لا أريد أن اقلل من شأن الحركة الكردية والدور الذي يمكن أن تلعبه ، لأنني كنت ولا زلت اعتبر نفسي جزء من هذه الحركة وأتحمل كالآخرين مسؤولية الإخفاقات ، ولكن لا يمكن لهذه الحركة أن تكون قوية صامدة إلا من خلال الارتقاء بسياساتها النظرية والعملية وتوحيد خطابها عبر اطر وخيارات متعددة ومفتوحة بعيداً عن عقلية المهاترات .


وان الوفاء للرفاق المؤسسين وأفضل تكريم لهم يكمن في نبذ العقلية الجامدة والنصوص المقدسة التي لا تقبل الشك أو التأويل أو البحث في مداراتها وأن يكون التجديد والديمقراطية السمتان الأساسيتان لان حركتنا تتطور بتطور الواقع واغتنت بخبرة خمسين عاما من النضال المتواصل مما يؤهلها لقيادة الشعب الكردي بجدارة وتحقيق طموحاته القومية المشروعة .


 
آب 2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…