الشعب الكردي … رقم صعب ، ومعادلة مستحيلة الحل

توفيق عبد المجيد

مؤسف هذا الصمت العربي والإسلامي الرسمي تجاه هذه المجزرة الوحشية التي ارتكبها إرهابيون مازالوا يعيشون في أقبية الجهالة ، مازالوا يعيشون في العصور الحجرية ، مازالوا يرفضون منطق العصر الذي يدعو إلى الحوار حلاً لجميع المشاكل العالقة والقضايا المستعصية  مازالوا رهين التعصب الأعمى والحقد الدفين الذي يستحوذ على كل جارحة فيهم حتى شل عندهم نعمة العقل ، واستبدلها بمنطق الحقد والكراهية على البشرية جمعاء ، وعلى الإنسانية قاطبة .
مؤسف حقاً هذا الصمت الجنائزي ، من أخوة وجيرة ، تربطهم والشعب العراقي وشائج كثيرة ، اللهم إلا إذا كانت هذه الضحايا البريئة عدوة لدينهم يستوجب  قتلهم لأنهم لا يؤمنون بما يؤمن به هؤلاء ناسين عبارة (لكم دينكم ولي دين)
مؤسف حقاً أن تنطلق حملة الإدانات من شتى أصقاع المعمورة إلا من هذا المشرق العربي والإسلامي .


إن الجهاد تعريفاً هو قول كلمة الحق في وجه العتاة والجبابرة ، أما إذا كان في مفهومهم وشرعتهم هو سحق كل من لا يمت إلى دينهم بصلة ، فتلك الطامة الكبرى ، أم أنهم أمروا (أن يقاتلوا الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) أم أنهم استحلوا لأنفسهم كل محرم ضاربين بعرض الحائط (لست عليهم بمسيطر ، إلا من تولى وكفر ، فيعذبه الله العذاب الأكبر) أم تراهم ينفذون تعاليم الله لأنهم ورثته وخلفاؤه في الأرض ؟
من العار أن ينتسب هؤلاء إلى الإنسانية ، والإنسانية منهم براء ، من المخجل أن ينتمي هؤلاء إلى صف البشرية ، والبشرية تعلن أنها قد تخلت عنهم ، فمازال هؤلاء يتمنطقون بأسلحة الكراهية والإلغاء والإقصاء ، مازالوا يؤمنون بنظرية تصفية المعارضات ، والمكونات القومية والإثنية بالتقتيل والتذبيح ، إنهم ليسوا عرباً ، إنهم لا ينتمون إلى أية عقيدة ، العروبة ذات الرسالة الخالدة ، تلفظهم وترفضهم ، والإسلام ذو التعاليم السمحاء يمطرهم بوابل من لعناته ، بسيل من حجارته ليرجموا على ما اقترفت أيديهم ، ليلعنوا في الدنيا والآخرة ، ليقذفوا إلى مزابل التاريخ ، ليصنفوا في خانة أعداء الإنسانية والبشرية ، لأنهم أولئك الذين تقوقعت مداركهم في دائرة ضيقة ووظيفة محددة ، وتناسوا وظيفة العقل الأساسية ألا وهي الوظيفة الإنسانية .
إنه لأمر فظيع ، إنها لجريمة مروعة بكل المقاييس يندى لها الجبين خجلاً ، أن يقدم الأنفاليون ، أن يقدم بقايا الصداميين ، والسلفيين أصحاب العقول المتحجرة ، أصحاب الفكر المتصحر ، على هذه الجريمة البشعة ، إنهم يقتلون الناس رجماً بالحجارة ويتبادلون عبارة (الله أكبر) في الحفلات الجماعية التي ينظمونها متلذذين مستمتعين بما اقترفته أيديهم لأنهم يقتلون أعداء الله من (الملاحدة والكفار) والذين لا يعتنقون دينهم السماوي ، وكأن الله غافل عما يعملون ، وكأن الله أعطاهم الحق ، ليحاسبوا الناس في الدنيا بدلاً منه في الآخرة .
إنها أعمال لا إنسانية قذرة ، إنها ممارسات ترفضها كل الأديان ، إنها جرائم وحشية بكل المقاييس والمفاهيم ، أما إذا كانت هذه الأعمال (جهادية) فنقول لهم : بئس عملاً هذا (الجهاد) أيها الجهلة العميان ، أيها الجبناء المتخاذلون ، فلم نسمع أو نقرأ من منع إسعاف المصابين ، أو نقل الجرحى للعلاج ، لكننا رأيناه بالعين المجردة عندكم أيها (الجهاديون) يا رسل الإسلام الذي اخترعتموه حسب مواصفاتكم له ومقاييسكم ؟؟ أم مازلنا نعيش في زمن الغزو والنهب والسلب ؟ أم مازلنا نعيش في زمن (آكلة الأكباد البشرية ، وحز رأس الحسين بالسيف) ؟؟؟ 
إنه تحالف لا يشرف بين المهزومين والمحتضرين أولئك الذين يبيعون المشروعات والأوهام ويتاجرون بالقومجية والسلفية والأصولية الإسلاموية ، وهو تحالف غرضي وجهوي وقذر يظهرهم على حقيقتهم ، ويعريهم من ثيابهم لتظهر الوحوش البشرية التي تسكن أفئدتهم وفي أعماقهم ، تلك المتعطشة للدماء البريئة خاصة إذا كانت من دماء غير المتأسلمين .
(ويكفي الأكراد وبيشمركتهم فخرا أنهم لم يستهدفوا مدنيا عربيا واحدا طيلة حقب الصراع المسلح المديدة مع بغداد والفضل في بلورة هذا التقليد الأخلاقي الكردي الرفيع والراقي وتكريسه كمقوم أساسي من مقومات الثقافة النضالية للشعب الكردي وكركن مركزي من أركان العقيدة العسكرية القتالية للبيشمركة الأكراد يعود إلى قائد حركة التحرر الكردستانية المعاصرة الزعيم الأسطورة مصطفى البارزاني) .
نقول لأولئك القتلة إن الخلل قابع في ذواتكم ، لأنكم قمعتم وظيفة العقل ، وأغلقتم جميع النوافذ التي تتسرب منها الثقافة الإنسانية إلى عقولكم وقلوبكم المريضة ، ولم تؤسسوا لثقافة  الحوار والتكافؤ والأخوة والإنسانية والتعايش المشترك بين جميع الشعوب والقبائل ، ذلك التعايش الذي يجب أن يبنى على قاعدة أن جميع المكونات العراقية تنتمي إلى عائلة الإنسانية الواسعة قبل أن يكونوا سنة أو شيعة ، إسلاماً أو مسيحيين ، كرداً أو عرباً .
نقول لهؤلاء الجبناء القتلة إن الكرد رقم صعب في المعادلة العراقية لا يمكن تجاهله ، نقول للسلفيين والتكفيريين وبكل جرأة وشجاعة وبملء الفم إنه لا يمكن ، بل يستحيل عليكم إقصاء الكرد بعد الآن من تلك المعادلة ، نقول لهم إن حملات الأنفال السيئة الصيت لا يمكن أن تعود إلى المسرح العراقي مرة أخرى ، نقول لأبناء شعبنا الكردي في سنجار المنكوبة عليكم بالصمود والتصدي والتشبث بالأرض بالأسنان والأظافر ، فلم يبق إلا القليل ، نقول لهم إنها آلام المخاض والولادة ، ويعود الفرع إلى الأصل ، وينجلي هذا الليل الكابوسي الطويل عن شمس مشرقة ، عن سماء صافية ، عن أرض محررة ، ينعم أهلها بالهدوء والأمان والاستقرار في ذلك الحضن الحنون ، ونذكرهم بقول المهاتما غاندي : تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر
في 17/8/2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…