الدول المقتسمة لكوردستان وشبح الفوبيا الكُردية

عزالدين ملا
الموضوع الكُردي الأكثر تعقيداً وإثارةً للمخاوف لدى حكومات الدول الأربع المحتلة لكوردستان، كان وما زال الشغل الشاغل  لتفكيرهم ومخططاتهم وسياساتهم المستقبلية، والقضية الرئيسية الأولى التي توحدهم رغم الخلافات العميقة بين تلك الدول، فمنذ ان قُسمت ارض كوردستان قسريا بين اربع دول، ايران، العراق، تركيا، سوريا، وحكوماتها تجتمع بين فينة وأخرى، ليس لتبادل المصالح أو لتوطيد العلاقات فيما بينهم، بل للتباحث في الوضع الكُردي والمشاكل الناجمة عنهم والتي تُقلق مضاجعهم، ووضع خطط لطمس هذه القومية وخلق عراقيل بين ابناء الشعب الكُردي الواحد.
لطالما كانت هناك خلافات عميقة بين حكومات هذه الدول، وخاصة فيما يتعلق بالحدود والمياه. ايران والعراق حدثت بينهما حرب طاحنة استمرّت لثماني سنوات والخلاف كان حول منطقة الخليج والنفط والمياه، وكذلك الخلاف بين تركيا وسوريا على مصادر المياه، حيث قطعت المياه عن سد الفرات لمدة شهر كامل في التسعينيات من القرن الماضي أواخر أيام حافظ الاسد، والتي وصلت إلى احتمال حدوث صِدام عسكري بين الدولتين، ولكن تلك الخلاف فضّ باتفاقية أضنة، وايضا حدثت قطيعة في العلاقات بين سوريا والعراق أيام حافظ الاسد وصدام حسين، حيث انقسم حزب البعث إلى يمين ويسار. ولكن رغم كل تلك الخلافات العميقة بين تلك الدول، إلا ان الاتفاق على هدف واحد وهو المشكلة الكُردية التي كانت تجمع هذه الدول لم تنقطع بل كان توحدهم، فكانت هناك اجتماعات دورية على مستوى رفيع للتباحث حول كل جديد أو تطور في المنغص والمقلق الكُردي حسب ما هم يعتبرونه لعنصريتهم وشوفينيتهم البغيضة.
هذه الاجتماعات لم تتوقف أبداً، وكانت تحت مسميات كثيرة من توطيد العلاقات بين هذه الدول وفتح مجالات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وثقافية… إلخ.
القضية الكُردية الآن باتت قضية دولية، وأصبح الوضع السياسي والاقتصادي والانساني الكُردي الموضوع الأكثر اهتماماً في المحافل الدولية، ليست لإنسانية العالم، بل لأن القضية الكُردية أصبحت ورقة ضغط لدى كلّ من أمريكا وروسيا للضغط على تلك الحكومات لتمرير مآربهم، أمريكا التي ترى في الوقت الحالي ان الكُرد هم الحليف الاستراتيجي الأكثر قوة في منطقة الشرق الأوسط، وعن طريق الكُرد يُمكِّنهُا من الضغط على حكومات تركيا وايران والعراق، وكذلك دول الخليج، بحيث يُشعِرَهم بأن هناك بديل لهم في حال لعبوا بذيلهم. وروسيا التي طالما لعابها تسيل من خلال أطماعها التوسعية، فهي تحاول دائما ومراراً من جعل الورقة الكُردية ورقة ضغط على كلٍ من تركيا وايران، وما الاجتماعات التي تنعقد بين روسيا وتركيا وايران ليست إلا لأجل تسوية الخلافات حول المصالح في سوريا، والورقة الكُردية ورقة ضغط لدى روسيا لتمرير نفوذها ومصالحها في تلك المنطقة. وما لاحظنا في الفترة الأخيرة من وجود اتصالات استخباراتية بين تركيا وسوريا ليست سوى اتصالات للتباحث في الشأن الكُردي التي تقلق الطرفين، تركيا التي تستغل ضعف النظام السوري لكسب قدر المستطاع الشرعية لضرب أي مشروع كُردي في سوريا، لعلمها أن أي مشروع كُردي في سوريا لها تأثيرات مستقبلية على الوجود الكُردي في تركيا، في المقابل النظام تحاول من خلال الورقة الكُردية في الضغط على تركيا لكسب شرعيتها في وقوفها إلى جانبها، لان النظام السوري تعلم لِما لتركيا من تأثير على منطقة الشرق الأوسط.
من خلال كلّ ذلك نرى أن للكُرد وزنا فاعلا على المستوى الدولي واقليمي لِما لهم من دور الذي يجعل-كل تلك الدول- من الكُرد ورقة مهمة للضغط على بعضهم البعض، لذلك يستطيع الكورد من استغلال ذلك لمصلحتهم وفي حالة واحدة وهو توحيد الرؤية الكُردية وجعل المشروع القومي الكُردي الاساس في التعامل مع الدول، ومن خلالها يستطيع الكُرد من جعل الفوبيا الكُردية شبحا يخيف تلك الحكومات، فيضطرون إلى الرضوخ للأمر الواقع وقبول القضية الكردية بحقيقتها. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين لم تعد القضية الكردية مهددة فقط بجيوش الدول المحتلة ولا بسياساتها القمعية المباشرة بل باتت مهددة على نحو اخطر بمسارات داخلية انحرفت عن جوهر التحرر وتحولت من ادوات مقاومة الى عوامل استنزاف تقوض الوجود القومي الكردي من اساسه فحين تتحول العسكرة الى غاية دائمة ويصبح الدم وسيلة لتجديد الشرعية التنظيمية لا لتحقيق هدف وطني واضح وحين تُفرغ القضية…

د. محمود عباس العالم لا يُدار اليوم بعقول سياسية متزنة، بل بإرادات متضخمة تبحث عن إشباع ذاتها، ولو على حساب تدمير ما تبقى من توازن. هذه ليست مبالغة بل توصيف لمرحلة، حيث لم تعد الحرب استثناءً في السياسة، بل امتدادًا لاختلالها. الحرب الجارية لم تكن مجرد صراع عابر في سجل النزاعات الدولية، بل بدت كواحدة من أكثر الحروب غرابةً وقذارةً…

شادي حاجي حين يحتدم الخلاف داخل أي حزب أو تنظيم سياسي، يميل البعض إلى التعامل معه بوصفه أزمة طارئة ينبغي احتواؤها سريعاً، بينما يغفل آخرون أن الخلاف في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية بالمطلق، بل يمكن أن يكون مؤشراً على حيوية التنظيم وتعدد وجهات النظر داخله. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته وحسمه:…

محمد بنكو الصراع الدائر حالياً بين الكتلتين في حزب يكيتي هو، في أقل تقدير، صراع يفتقر إلى النزاهة. والمؤسف أنهم يرفعون شعارات الالتزام بالنظام الداخلي وخدمة القضية، في حين أنهم أنفسهم من تجاوز هذا النظام عند الحاجة، خاصة في الفترات الحرجة التي سبقت المؤتمر الثامن. وهم أيضاً من ساهموا في ابتعاد كثير من المناضلين والمضحين عن الحزب. وعند لحظة الحقيقة،…