كيف يمكن تجاوز المحنة في عفرين؟

جان كورد
بدايةً يمكن القول بأنه رغم ما جرى لمنطقة جبل الكورد (عفرين) من غزوٍ عسكري تركي، قبل سنة من الآن مصحوب بهجمات الآلاف من مقاتلي التنظيمات الإسلامية المتطرّفة والمعادية للكورد إجمالاً، ورغم المحاولات الحثيثة للمضي في سياسة التغيير الديموغرافي لسكان المنطقة، والتصريحات المتكررة للسيد أردوغان بصدد “تسليمها لأصحابها الأصليين!”، وهو يقصد العرب والتركمان الذين لم يشكلوا سابقاً نسبةً تزيد عن 5% من سكانها الأصليين، وذلك بدليل السجلات العقارية من فترة ما قبل الأحداث الدموية في سوريا، فإن المنطقة لا تزال رسمياً ودولياً جزءاً من البلاد السورية، شاء الغزاة وأتباعهم أم لم يشاؤوا، وهذا يعني أن أي حلٍ سياسي للأزمة السورية يجب أن يتناول “ملف عفرين” أيضاً، والحكومة التركية لا تستطيع إخراج “عفرين” من مجمل المشكلة الناجمة في شمال سوريا أو أن تضمّها إلى تركيا، رغم سكوت فصائل سورية وقوى موالية لها في المعارضة السورية المرتبطة بحزب العدالة والتنمية لأسباب عقيدية أو لمصالح آنية. 
 وهذا يعني أن من واجب الحركة الوطنية الكوردية التي كانت عفرين من مصادرها ومنابعها الأساسية منذ أن تأسست هذه الحركة، عدم الاستسلام والسعي لإقناع المجتمع الدولي وسائر الجهات المهتمة بالشأن السوري بأن أي حلٍ سياسي في سوريا يستدعي عدم إهمال شأن هذه المنطقة الكوردية أيضاً.  وعليه  يجب العمل  لإدراج “ملف عفرين”  ضمن ملفات إعادة النازحين إلى مواطنهم وإنهاء وجود المخيمات التي تضم السوريين على الأراضي السورية، وذلك لأنه لازال مئات الألوف من المواطنين الكورد خارج منطقتهم التي كانوا يعيشون فيها قبل الأحداث الدامية، مما يعني منحهم الحق في العودة إلى منازلهم التي استولى عليها الإرهابيون وأرغموا أصحابها على الخروج منها. كما يعني عودة العرب والتركمان إلى ديارهم وترك المنطقة لأصحابها الأصليين، إن كان السيد أردوغان يؤمن حقاً بما قاله بتكرار قبل غزوه هذه المنطقة الكوردية وبعد الغزو. 
هذه هي النقطة الأساسية، أي عودة أبناء المنطقة إلى قراهم بسلام من دون قتال والعيش في منازلهم التي اغتصبها منهم الغرباء في أمن واستقرار.  وحول هذه النقطة يجب أن تتفّق كل فصائل الحراك السياسي – الثقافي الكوردي وعليها يجب أن ترتكز السياسة الكوردستانية بصدد “عفرين”، فإذا تضافرت الجهود في هذا المجال وحول هذه النقطة، فإن العديد من المشاكل الأخرى ستجد طريقها للحل.
وقد يسأل سائل. وماذا عن التواجد العسكري التركي في المنطقة؟ هذا التواجد الذي يبدو وكأنه يتخذ وضع “الإقامة الدائمة” لما تبنيه القوات التركية من مواقع متينة وسط سكوت الإعلام العربي والسياسة العربية، رغم إعلانها الانتصار النهائي على ما كان في المنطقة من “وحدات الحماية الشعبية”، وتقوم بإجراءات إدارية وافتتاح مدارس تعلّم بالتركية وتغيير لأسماء القرى إلى التركية، وغير ذلك من ملامح “الإحتلال” وليس مجرّد القضاء على مجموعات مسلحة معينة ومن ثم العودة إلى تركيا. ولولا سماح الحكومة التركية للتنظيمات المسلحة العربية والتركمانية بالهجوم على المنطقة الكوردية وبالسلب والنهب واغتصاب ممتلكات الكورد  من مزارع ومنازل وماشية ومحاصيل لما تجرأ أي تنظيم على الإقدام  على ماصار الآن اغنصاباً روتينياً يومياً في وضح النهار، ولذا فإن على الحركة الوطنية الكوردية إظهار هذه العلاقة الوثيقة أمام الرأي العام العالمي وسائر المنظمات الدولية، التي تأمل في إيجاد حل سياسي في سوريا، بين نوايا الحكومة التركية حيال الوجود الكوردي في هذه المنطقة ورغبة مواليهم العرب والتركمان باغتصاب المزيد من ممتلكاتها وخيراتها وأرضها.
وعليه، فإن الواجب الذي يقع على كاهل القوى الكوردية وعلى المجالس والجمعيات في العالم الحر الديموقراطي وروسيا واجبٌ كبير  ومن الضروري القيام به على كافة الصعد، وهذا يعني  توحيد الخطاب السياسي وترتيب البيت الكوردي بالعمل المشترك بين مختلف التنظيمات والشخصيات الوطنية الكوردية في الساحة الدولية.  ويقيناً، فإن تركيا التي تتحدث قياداتها باستمرار  وفي وضح النهار عن سعيها لإطفاء كل طموحٍ كوردي بالقرب من حدودها ستضطر للجلوس مع الكورد الذين يشكلون في سوريا نسبةً كبيرة من “المعادلة السورية” وأثبتوا جدارتهم في القتال للعالم كله، بل في كل البلدان التي تقتسم وطنهم كوردستان، إلاّ أن غرور بعض زعمائهم وارتباطهم بأعداء أمتهم وتخاذل آخرين عن القيام بمسؤولياتهم قد أضعف الهمة وفرّق الصفوف وأهمل قضيتهم بطرح مشاريع لاتمت للكورد بصلة، مما مزّق الصف القومي وساهم في هدم البيت الوطني. 
عفرين ستذهب في مهب الرياح إن لم يتوافق الأحرار الكورد على اتخاذ مسارٍ مشترك وواضح، يتسم بالعمل من أجل حماية الشخصية المميزة لهذه المنطقة من خلال تضافر كل الجهود المخلصة دون تأخير أو تردد أو تلكؤ.
  8/2/2019    

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…