الإذاعة الكوردية.. أسيرة الشكل والإيديولوجية

إدريس سالم
ظهرت خلال عمر الأزمة السورية، العديد من الإذاعات الإعلامية في المناطق الكوردية من غربي كوردستان، معظمها كانت في مدينتي عامودا وقامشلو «أهو حالة صحية في أن تقتصر الإذاعات على مدن محدّدة، أم أن المموّل أو صاحب المشروع هو مَن يقطن في تلك المدن؟»، حيث تبثّ برامجها مخاطبة مختلف الشرائح والمكوّنات، وتعكس في مضامينها وسياساتها البرامجية خصوصية الجهات المموّلة والقائمة عليها، ليكون العامل الماديّ أهم معوّق يواجه عمل بعضها، إضافة إلى الكوادر المختصّة إعلامياً، وغير المتقنة للغة الأم.
هل اختفى جاذبية الإذاعة؟
إن للإذاعة سحر وجاذبية خاصة، فما زال هناك مجال للاستماع لها، بالرغم من ثورة المعلومات وانتشار الفضائيات، التي يشهدها العالم في كافة المجالات، بل وعلاوة على ذلك، نجد أن المحطّات الإذاعية المسموعة في حالة تزايد وتنوّع، فالإذاعة لها قوة جذب لا تقاوم، وهي ليست مجرّد تواجد عادي، بل تواجد قوي لا يقل عن باقي وسائل الإعلام المرئية من الشبكات الفضائية والبينية الاجتماعية.
استغباء، استهزاء، استهتار، استحمار، استحماق، استرزال، استفزاز، استنزاف، استقواء، استقصاء استخفاف، استضعاف.. هكذا تهدف بعض الإذاعات الكوردية في برامجها وتوجّهاتها وأسلوبها التعاملي مع هموم الناس والمجتمع، دون أن تملك أدنى حدود احترام الحالة الإنسانية وظروف الحرب والتهجير، وتعمل على أن تكون عوناً في مصائب الناس وهمومهم. 
لو أدركت المجتمعات الكوردية، أن الإعلام وسيلة وقوة فائقة للتحكّم في الشعوب وتطويرها وتقدّمها والحدّ من آلامها، لأعارته اهتماماً أكثر مما هو عليه الآن، ولسخرت له من الإمكانات ومن الأموال الشيء الكثير، فبواسطته تسيطر الدول على العقول وتتلاعب بها وفق مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية، ويتمّ استخدامه في التلميع والتضليل والهجوم والاستغباء والتحكّم.
هناك مَن يفتتح الإذاعات من باب الوطنية الفارغة، ليغلقها لاحقاً بمزاجية عميقة ونفسية عقيمة، دون أن يدركوا ما إن كانوا سيفقدون رصيدهم الإعلامي والإنساني بين المجتمعات، دون أن يفكروا ماذا يفعلون وماذا يكسبون وماذا ينتجون وماذا يخلّفون. 
بعض الإذاعات الكوردية تدعي الكوردايتية علناً، وسرّاً تستغلّ الموظفين العاملين فيها، وبعقود مؤقتة ومجحفة، وهي لا تتضمّن أيّ من حقوقهم، تستغلها إدارة الإذاعة التي هي عبارة عن شخص أو شخصين أو جهة مؤدلجة، أو تضع خصوصيتها الكوردية تحت أقدام المصالح والأجندات، لتصبح بين ليلة وضحاها إذاعة ناطقة للهمّ العربي، وهي عادة الكثير من المؤسّسات الإعلامية وغيرها العاملة في غربي كوردستان، نتيجة غياب أيّ قوانين تنظم عمل هكذا مؤسّسات تتلقّى تمويلاً دولياً أو إقليمياً أو حتى محلياً.
في قصة طريفة ومضحكة وفيها الكثير من الدروس والعبر، وهي أن إذاعة مجتمعية وناطقة باللغة الكوردية، والتي كانت لها فروع وجذور في مدن غربي كوردستان، لتبقى لاحقاً غصناً أو غصنين من شتلة بستانية ما، والقصة هي أن أحد العاملين في الإذاعة خلق خبراً عن وفاة فنّان كوردي، وروّج عبر صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنها نقلت الخبر من بعض الصفحات وكأن عملها نقد تطوّرات وتحليلات مستخدمي تلك المواقع، والخبر في الأصل لم ينشر ولم يتم تداوله نهائياً، لتكذّب الإذاعة ذلك الخبر لاحقاً، وتعلن أنها ستبثّ حلقة خاصة عن الفنّان الذي نشر خبر وفاته، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أن الإذاعة تستغبي جمهورها وتستهزأ بعقولهم.
جمهور ومتابعي تلك الإذاعة في كوباني وبقية المدن الكوردية يتساءلون: 
هل تم توقيف الإذاعة وإغلاقها في كوباني بسبب انتهاء مدة الرخصة المانحة من قبل الإدارة الذاتية، أم أن إدارة الإذاعة تفضّل نقلها من كوباني إلى الرقة، كون المدينة الأخيرة أصبحت مركز جذب للجهات المالية المانحة؟ «يبدو أنهم يبحثون عن المزيد من التمويل»، لم كان قرار الإغلاق شخصي وجاء على شكل انتقام من مدينة عريقة دفعت فاتورة غالية الثمن من هجمات تنظيم داعش الشرسة؟ لم يصدرون بيانات وتصريحات فارغة لا تستطيع أن تقنع الجمهور حيال إغلاقها؟
في المقابل باتت السمة الشكلية للإذاعات الكوردية همّاً كبيراً يأخذ من القائمين عليها، فبحسب ما هو معروف عن عمل الإذاعات الرسمية والمحلّية، فإن المذيع يضحك ويبتسم حسب خصوصية وسياسة المؤسّسة الإعلامية التي يعمل فيها، لا حسب مزاجه ونفسيته وظروفه.
فأيّ متابع لو تابع عمل غالبية الإذاعات الكوردية، سيرى كيف يتغيّر مزاج المذيع أو المذيعة بشكل يومي، لدرجة أن المتابع بات يتماشى مع مزاجه، لخوفه من ردّة فعل سلبية خارجة عن المألوف، عندما يكون متواجداً في البثّ المباشر لتلك الإذاعة على المواقع الاجتماعية.
على المذيع المهموم والمذيعة الضحوكة أن يلتزم بمزاج محدّد خاصّ بعمل الإذاعة التي هو موظّف فيها، لا أن يكون يوماً حزيناً، وفي اليوم التالي كئيباً، والآخر سعيداً، والذي بعده مَلولاً، فهدف الإعلام هو بناء المجتمع بالفكرة الهادفة لا بالمزاج المتقلب وجمع إعجابات افتراضية.
هناك مواقف وتصرفات يجب أن ينتقدها المتابع الكوردي للإذاعات، سواء الناطقة بالكوردية أو العربية، والتي تتركز في:
وجود تصرّفات غير لائقة “الميوعة” والضحك الكثير الذي بغالبيته ضحك طاغي وغير هادف، خاصة في البرامج الصباحية المتعلقة من الدرجة الأولى بالأبراج والأغاني.
قلة احترام الذات والمستمع وحتى الضيف، في الاستديو أو عبر الهاتف.
الاستخفاف بمشاعر وأحاديث الضيوف في المداخلات وخاصة الناس البسطاء العفويين.
غياب الموسيقى القومية وموسيقى مكونات المنطقة.
كثرة الأخبار الصاعقة والصادمة.
خروج المذيع عن المألوف الإعلامي.
يبقى السؤال هل الإذاعات الكوردية تعمل على تحقيق هدف بعيد المدى لأن تبني لنفسها تاريخاً حافلاً بالنتائج الفكرية والثقافية والأخلاقية القيّمة، وبالتالي المساهمة مع السلطة في بناء مجتمع مدني متحضّر؟ أتكون ببرامجها وأهدافها كالإذاعات الدولية مثل مونتي كارلو أو هيئة الإذاعة البريطانية  (BBC)أو صوت أمريكا؟ هذا ما لن يتحقق إن بقيت الإذاعات الكوردية مقيدة بإيديولوجياتها ومضمونها الشكلي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…