العمال الكوردستاني

الأمازيغي: يوسف بويحيى
كثيرا ما كتبت على تنظيم العمال الكوردستاني مسلطا الضوء على ظروف تأسيسه ،والتغيرات و الطفرات التي حدثت عليه و فيه ،والإنقلابات الداخلية بين القيادات بين محور “أوجلان” و محور قنديل الحالي “جميل بايق”…،ومازال البحث على خبايا و أسرار هذا التنظيم جار دون توقف.
مازال البعض يجد صعوبة في التدقيق الصائب لفهم التغيرات التي طرأت في هذا التنظيم ،ويعيش فقط على بعض أفكار الماضي التي لم تعد منطقية اليوم ،لهذا لا بأس أن نحلل بالواقع الملموس إلى اين يمضي تنظيم ب ك ك و من المتحكم فيه هل تركيا أم إيران؟!.
مازلت أقول و أجزم أن “اوجلان” لم يكن أبدا في بداية تأسيس تنظيم ب ك ك في تركيا ،بل تأسس على إرث حزب بسيط عمال كوردستان من نخبة مثقفة كوردية حاملة للفكر الماركسي اللينيني ،مع العلم أن بداية التأسيس هذا الحزب لم يكن له جناح عسكري بل مجرد حزب مدني ذو خلفية يسارية تطالب بحقوق الشعب الكوردي ،ونظرا لهذه الشعلة الكوردية الداخلية تحركت الإستخبارات التركية صوب القضاء على معظم الشباب اليافع في حزب عمال كوردستان ،وبينما الكل كان ينتظر الميت التركي أن يحل الحزب بشكل نهائي إلا أن تركيا كانت ذكية جدا و غرست عملاءها فيه أمثال “أوجلان” بعدها أعلنت ميلادا جديدا لحزب بإسم “العمال الكوردستاني” ،بعدها دعمت الحزب بالمال و السلاح و صنعت من “أوجلان” قائد بطل في نظر الشعب الكوردي ،ومن هنا بدأت سلسلة الكوارث و الدمار في كوردستان باكور..
بعد أن إنتقل تنظيم ب ك ك إلى سوريا حدثت تغيرات كبيرة جدا ،من بينها إستغلال النظام السوري تنظيم ب ك ك ضد النهضة الكوردية في كوردستان روجافا ،وعملت الإستخبارات الإيرانية و السورية في تقزيم دور “أوجلان” في التنظيم كونه عميل تركي بالمقابل قوت محور “جميل بايق” و “دوران كالكان” و “مراد قريلان” الذين رحبوا بإستبدال العمالة التركية بالإيرانية السورية و التخلص من تسلط “أوجلان” و أتباعه ،حيث كانت المعسكرات كلها في قبضة محور قنديل عمليا ،في حين إكتفت المخابرات الإيرانية و السورية بأوجلان كمجرد حافز و بيدق للتشهير و الإعلام و النفخ.
بعد كل هذه الخطوات أحست تركيا أن إيران و النظام السوري سحبوا البساط من تحتها بخصوص إضعاف نفوذها في تنظيم ب ك ك نتيجة أن “اوجلان” لم يعد له أي دور فعال فيه بسبب تقوي محور قنديل الإيراني ،وهذا ما زاد تخوف تركيا من تحريك النظام السوري و الإيراني لتنظيم ب ك ك ضدها ،ماجعل تركيا تصر على حشد جيشها إلى الحدود السورية مهددة بإجتياحها نتيجة تصاعد الصراع السوري (الإيراني) و التركي من جديد ،خلال هذا التهديد إضطر النظام السوري و الإيراني التخلي على “أوجلان” للنظام التركي مع تصفية بعض القيادات الغير المرغوب فيها ،بينما ايران و سوريا لم تسلم محورها الذي قبل العمل لمصالحها في التنظيم (بايق،كالكان،قريلان،قرصو…).
وللتوضيح فإن تصريحات رجال الإستخبارات التركية تصب في نفس هذا الطرح ،حيث كلهم يقولون بأن “أوجلان” و “كالكان” ؛ “بايق”….خدموهم لمدة زمنية تعادل عشرون سنة ،وبعملية حسابية إذا أضفنا عشرون سنة إلى سنة التأسيس الرسمي لتنظيم ب ك ك 1978 تبقى النتيجة 1998 ،أي تقريبا ما يقارب نفس العام الذي تم فيه إعتقال “أوجلان” (1999) ،وما بعد سنة 1999 إنقلب ب ك ك على تركيا تجاه إيران و النظام السوري ثم إلى النظام العراقي كذلك.
إن السبب الذي لم يترك “أوجلان” يلجأ إلى جبال قنديل هو أنه غير مرغوب فيه من طرف إيران و سوريا و المحور القنديلي الحالي المعادي له في التنظيم ،ولو لجأ إلى جبال قنديل لتم قتله و تصفيته من طرف المحور الحالي (بايق….) ،والحقيقة أن هؤلاء ضد فكرة إطلاق سراح “أوجلان” رغم الخطابات الجوفاء بإسمه.
بعيدا عن الإعلام و الكلام و الخطابات أود أن أنزل إلى الأرض كي ندقق جيدا في حقيقة هذا التنظيم و طفراته ،إذ سنلاحظ أن تنظيم ب ك ك يعمل وفق المصالح الإيرانية بشكل واضح و لا يتحرك إلا بأمر من النظام الإيراني لا غيره ،فالكل يعلم كيف يعمل ب ك ك مع الحشد الشعبي و حزب الله اللبناني و الكتائب العلوية السورية في إتمام مشروع الهلال الشيعي الإيراني الذي هو مخطط ضد دول الخليج و تركيا ،فهل يا ترى لو كان ب ك ك يعمل وفق تركيا سيعمل على حصارها بريا لصالح إيران!!.
زيادة إلى أن قوات ب ك ك في شنكال لما إنسحبت سلمت تقريبا 3000 جندي إلى حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني (الإيراني) ،كما سلمت ألاف من الجنود الآخرين إلى الحشد الشعبي ،إضافة أنها سلمت مواقعها للحشد الشعبي الذي يعادي تركيا شكلا و مضمونا.
كما أن في بداية الثورة السورية قوات ب ك ك و ب ي د و حزب الله اللبناني دخلت على الخط لحماية النظام السوري من السقوط بقرار إيراني حسب تصريحات قيادات الحرس الثوري الإيراني ،بينما المعارضة السورية كانت مدعومة من تركيا بشكل واضح و علني ،فلو كانت ب ك ك و ب ي د تابعين لتركيا فالأجدر أن يكونوا ضمن المعارضة السورية و ليس مع النظام السوري ،وهذا دليل ملموس يثبت أن ب ك ك و ب ي د يتحركان وفق أوامر طهران و دمشق ليس تركيا.
لو دققنا جيدا سنلاحظ أن تنظيم ب ك ك تحول إلى تنظيم يعمل لنشر المشروع الصفوي الإيراني الشيعي في المنطقة و هذا يخالف مشروع تركيا العثماني ،ولو رجعنا للتاريخ بين إيران و سوريا سنجد أن الطرفين عملا على تطبيع العلاقات بين الطائفة العلوية و الشيعية لعقود من الزمن ،ورغم القاعدة العلوية الكبيرة في تنظيم ب ك ك إلا أنها مسوقة من طرف قادة قنديل و إيران بشكل كبير.
لا أحد سينكر أن السلاح و الرواتب التي تقدم لتنظيم ب ك ك تقدم لهم من طرف إيران عن طريق أذرعها كحزب الله و الحشد الشعبي ،وهذا دليل آخر أثبت أن ب ك ك تابع لإيران و أي خطوة يخطوها تكون بخطة و ضوء أخضر إيراني ،وما توافق المصالح التركية مع تحركات ب ك ك إلا بتنسيق إيراني مسبق ،وهذا ما أكده كبال الخبراء السياسيين الأمريكيين و الإيرانيين و الفرنسيين و المنشقين من تنظيم ب ك ك.
كنقطة مهمة فإنه لا يمكن نكران أن الإستخبارات التركية لا تملك بعض الأوراق في تنظيم ب ك ك ،لكن الواقع يؤكد أن هذه الأوراق ضعيفة مقارنة بالتسلط و التحكم الإيراني ،والأحرى يمكن القول أن النظام الإيراني يتحكم في 90 بالمئة من هذا التنظيم حسب ما قيل على لسان المنشقين و الخبراء و معظم رجال الإستخبارات الدولية تماشيا مع الواقع الذي يجسد ذلك بالملموس.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…