قضية الصحفي «خاشقجي»

الأمازيغي: يوسف بويحيى
أولا و قبل كل شيء لا يمكن الحديث عن الصحفي “خاشقجي” دون معرفة بعض المعلومات عن شخصه و مواقفه و أفكاره ،فالصحفي “خاشقجي” سعودي الأصل معارض للنظام السعودي ،ويحمل الجنسية الأمريكية ،ودخوله إلى الدول يتم بالجواز الأمريكي قصد الحماية و فرض الإحترام و الذات.
كانت مواقف “خاشقجي” مدوية إلى حد كبير ،إذ كشف الكثير من الأسرار السياسية لعائلة “أل سعود” ،بل هاجما في العديد من المقالات و الفضائيات ،فضح الداخل و الخارج السعودي في تبنيها لقضايا الشعوب العربية الإسلامية ،على إثر مواقفه بات صوت “خاشقجي” يلملم شتات الوعي العربي المتوهم بسياسة السعودية على أنها بر الأمان ،مؤكدا أنها منبع الويلات و الكوارث على الشعوب نفسها.
لقد طرح “خاشقجي” عدة تساؤلات  معها إثباتات ملموسة على الأرص الخليجية و الشرقية و الدولية ،إبتدأها بصفقة “القدس” الماضية بين “ترامب” و “محمد بن سلمان” على حد قوله ان من باع القدس سيبيع الحرمين الشريفين ،كانت رسالة واضحة المعالم لكل من يمني النفس في محاربة إسرائيل و إزالتها من الشعوب الإسلامية ،موضحا أن الأنظمة العربية و الإسلامية جميعها بصمت على الصفقة منذ عقود.
لقد طرح “خاشقجي” إستفهاما في أكثر من مناسبة مشككا في الصراع السعودي و الإيراني بأنه جوهري ،ومن جهة أخرى لم ينكره بالقطع ،مستدلا بعدة أمثلة على ذلك كقضية حرب “اليمن” ،والتي أكد فيها غباء السعودية عندما حاربت الرئيس “علي صالح” ،بينما الأجدر كان لها أن تقويه ضد ميليشيات “الحوثي” التابعة لإيران ،مؤكدا أن السعودية تلعب دور المساعد لإيران و ليس المعادي و المعارض.
نفس الشيء أكده “خاشقجي” بخصوص قضية العراق التي خسرت فيها السعودية كل نفوذها و تمددها الشعبي السني بسبب سياستها الفاشلة رغم تدفيق الأموال و السلاح لأجل فرض السيطرة و شد الخناق على توسعات إيران ،وأكد عدة مرات أن السعودية أخطأت لما إشترت صمت الروس لصالح الغزو الأمريكي للعراق ،معتبرا إسقاط نظام البعث (صدام حسين) هو السبب الذي أدى بالسعودية اليوم إلى أن تصبح في مرمى حجر من النار الإيرانية.
لم يتوانى “خاشقجي” مرة واحدة بالإدلاء عن موقفه تجاه السعودية بخصوص الشأن السوري معتبرا سياستها بالتائهة التي فقدت البوصلة ،مفسرا أن خطأ السعودية يكمن في الإعتماد دائما على المحور الأمريكي في إبعاد إيران من المعادلة ،بينما لم تفق السعودية من نومها رغم العديد من التجارب التي أثبتت نفاق أمريكا و تعاونها مع إيران كحليفة إستراتيجية و تكتيكية ،ومن جهة أخرى إستغرب من رفض السعودية عدم التحالف مع تركيا ذات حكومة إسلامية رغم إختلاف المذاهب تبقى سنية ضد إيران في سوريا ،وفي خطة غير متوقعة باعت السعودية المعارضة السورية و تركتها فريسة لإيران و الروس تحت صمت أمريكي إسرائيلي ممنهج ،ما جعل “خاشقجي” يطرح نفس الشيء الذي أدلى به الناشط الإعلامي السوري “فيصل القاسم” و الذي طرحته أنا شخصيا في أكثر من مناسبة على أن خطوات السياسة السعودية تخدم كليا التوسع الإيراني ،ومسألة العداء الطائفي يكمن بين الشعبين و ليس النظامين أو الأحرى العائلتين الحاكمتين (ملالي،أل سعود) ،أي نفس ما صرح به الرئيس “نتنياهو” قبل أعوام بأن مشكلة إسرائيل لا تكمن مع الأنظمة و الحكومات بل مع الشعوب الإسلامية.
لقد تساءل “خاشقجي” و الكثيرون عن سبب عدم دعم السعودية لدولة كوردستان و برودها إبان الإستفتاء الكوردي ،معتبرا قيام دولة كوردية معارضة للمشروع الإيراني بمثابة جدار أمان و حليف إستراتيجي مهم لها ،وبالمقابل إيران تعمل جاهدة بدعم أي تجمع شيعي داخل السعودية و باقي الدول الإسلامية السنية حتى لو كانت حفنة صغيرة ،ذلك لخلق الفوضى و القلق السياسي…
إستطاع “خاشقجي” أن يصل إلى حقيقة مهمة و حساسة بأن عائلة “أل سعود” لا تملك القرار السياسي و العسكري ،بل هي مجرد أداة بيد إسرائيل و بريطانيا و أمريكا و فرنسا ،ولا علاقة لها بأي شيء سوى تنفيد أوامرهم لا أقل و لا أكثر ،مؤكدا على ضرورة إسقاط نظام “أل سعود” مناديا الشعوب العربية إلى الإستيقاظ من النوم.
هناك الكثير من الأشياء الأخرى التي طرحها “خاشقجي” و التي لا تقل على ما كان يطرحه “معمر القذافي” و “هوغو تشافيز” و “فيدل كاسترو” و “لينكسنشتاين” في الأمم المتحدة و القمم العربية و الخطابات التلفيزيونية تجاه سياسة الأنظمة العربية و الغربية ،لهذا كان مصيره القتل و التصفية كون المعنيين يريدون للشعوب الشلل و الغيبوبة حتى الهلاك.
إن مسألة إغتيال “خاشقجي” طرحتها الصحافة البريطانية قبل أن يصرح بها أي إعلام تركي و سعودي و أمريكي ،ما يطرح تساؤل مهم هو من أين لبريطانيا بهذا الخبر رغم أن أهل الأرض كانوا في البحث عن مصير الضحية ،وأوتماتيكيا فإن قلنا بريطانيا فهنا نقصد “آل سعود” مباشرة ،لكن تبقى الحقيقة التي لا غبار عليها أن قتل “خاشقجي” هي مؤامرة مدبرة من طرف أمريكا و السعودية و إسرائيل و إيران كونه تمادى في فضح اللعبة السياسة لهذه الدول و عمل على توعية الشعوب العربية بما يجري من تحت رؤوسهم ،ومسألة التصفية لم تتم إلا بضوء أخضر أمريكي بترتيب منظم لها ،أما إختيار المكان و الزمان فما هو إلا لأجل تمويه الرأي الدولي و تجديد المزيد من الصراعات بين السعودية و تركيا ،ولضغط أمريكا أكثر على تركيا بحكم أن “خاشقجي” مواطن أمريكي من أجل المتاجرة به كصفقة مربحة من جهة ،والرد الصاع صاعين على إعتقال القس الأمريكي من جهة ثانية ،وتخلص أمريكا و السعودية و إسرائيل و إيران من “خاشقجي” كصوت حر و فاضح لهم من جهة ثالثة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

عدنان بدرالدين في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي. تأتي…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…