«براقش» التي تجني على قومها فقط

د. ولات ح محمد
    يقال إن قبيلة صغيرة مسالمة جاءها خبر يقول إن قبيلة كبيرة ستقوم بغزوها قريباً. ولأن القبيلة تعلم أنها غير قادرة على مواجهة الغزاة، تشاوَرَ عقلاؤها بحثاً عن السبيل الأفضل للنجاة بأنفسهم، فتوصلوا إلى فكرة مفادها أن يتركوا مضاربهم ويذهبوا إلى تلة كانت غير بعيدة عنهم ليختبئوا خلفها، حتى إذا جاء الغزاة ولم يجدوا أحداً وعادوا من حيث أتوا عادت القبيلة المسكينة إلى ديارها. وهكذا غادرت القبيلة خيامها مصطحبة معها كل ما خف وزنه وغلا ثمنه وذهبت إلى خلف تلك  التلة غير البعيدة كثيراً واستقرت هناك. وكان للقوم كلبة اسمها “براقش” رافقتهم أيضاً بطبيعة الحال في رحلتهم المؤقتة إلى حيث التلة. 
    عندما حل الظلام وساد السكون داهم الغزاة موطن القبيلة ولكنهم لم يجدوا سوى خياماً فارغة من البشر ومن الغنائم فأصابهم مزيج من الغضب والذهول إذ خاب مسعاهم. وبعد مداولة فيما بينهم قال أحدهم: يا قوم، نحن لا نعلم متى غادر هؤلاء، ولا نعلم ما إذا كانوا قريبين أم بعيدين، ولا نعلم في أي اتجاه ساروا. لذا أرى أن مطاردتهم في هذا الظلام أمر لا ينفع، فلنعد إلى ديارنا في الحال. 
    وبينما كان الغزاة يستعدون للمغادرة أطلقت براقش نباحاً قوياً تريد تخويفهم به لكي يسرعوا في ترك المكان، فتوقف الغزاة يسترقون السمع ويدققون التنصت لعلهم يدركون مصدر الصوت، فرجحوا أن النباح قادم من جهة تلك التلة، فتوجهوا من فورهم إلى مصدر الصوت حتى بلغوا التلة، وإذا بهم أمام القوم الذين جاؤوا لغزوها، فأعملوا فيهم سيوفهم حتى قضوا عليهم جميعاً ثم قضوا على براقش ذاتها ونهبوا ما تيسر لهم. وهكذا سار مثلٌ بين الناس يقول: على نفسها وعلى قومها جنتْ براقش.
    عبر التاريخ، وعند كل هزيمة كوردية في معركة، أوعند كل سقوط لمدينة كوردية في مواجهة ابحثوا عن براقش التي دلت الغزاة والمحتلين على خنادق قومها أو فتحت لهم أبواب المدينة لتدخلها جيوشُهم بسلام. ابحثوا عن براقش تجدوها في هذه الزاوية أو تلك. أما الحجل الجميل فإنه مظلوم ولا صلة له بهزائم الكورد وسقوط مدنهم، وإنما تبقى له حكاية أخرى في مناسبة قادمة.
    ملاحظة أولى: براقش لم تقصد إيذاء قومها، وإنما دلت الغزاة عليهم بسوء تصرفها ومن دون قصد. أما براقش الكورد فإنها تدل الغزاة على قومها وتدخلهم إلى المدينة عن سابق إصرار وتصميم. 
    ملاحظة ثانية: براقش جنت على قومها وعلى نفسها أيضاً، أما براقش الكورد فإنها تجني على قومها فقط، بينما تنال هي الجوائز والمكافآت والنياشين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

عدنان بدرالدين في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي. تأتي…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…