الحقيقة الغائبة

فرحان مرعي

لن ندخل في جدال عقيم مع أحد , حول أحقية مَن في هذه الأرض , حول هذه الأرض , حول الوجود التاريخي للكورد ..

ومن أين أتوا … إن الكورد ليسوا عنصراً طارئاً على هذه المنطقة , بل عنصراً عريقاً جداً , وهذه ليست بدعة ولا كذبة تاريخية … أما الذين يدوخوننا كل ساعة وكل يوم باسم العروبة والإسلام يعانون من عقدة الهوية والانتماء , وهم من يحتاجون إلى إثباتات لتأكيد الهوية والانتماء التاريخي , وليس من حقهم – بحكم امتلاك القوة – أن يوزعوا صكوك الغفران والرحمة والهوية
عليهم أن يعرفوا إن كانوا جاهلين , وعلينا أن نقولها بصراحة وبدون مواربة أو تمويه وأن نسمي الأشياء بأسمائها : وهو إن العرب جاؤوا إلى المنطقة غزاة ومستوطنين لبلاد الشام والرافدين والعراق وبلاد فارس – ومازالو – جاءوا باسم الإسلام ( الفتح الإسلامي ) وأصبحوا تحت ستار الدين الإسلامي وفي غفلة من الزمان مع انهيار الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية المتخاصمتين آنذاك سادة وحكاماً لهذه الدول ذات الحضارات العريقة , وأصحاب أموالٍ بعد فقر مدقع ونشروا دينهم وثقافتهم الصحراوية بالقوة والسيف أو بالهداية والموعظة كما يدعون , فحدث ما حدث , وأسم من أسلم , وقتل من قتل , وهرب من هرب , ولكن لا يمكن إلا القول المؤكد ودون لف ودوران على الحقيقة التاريخية الغائبة إن هؤلاء الأعاريب, الحفاة , البداة , لم يكونوا موجودين هنا قبل ألف وأربعمائة عام بل جاءوا من شبه جزيرة مقفرة من الطائف ويثرب ومكة إلى أراض عامرة , زاهرة يسكنها شعوب مختلفة من كورد وسريان وأرمن وآشور وكلدان وساسان ….

الخ ومتعددة العقائد والديانات , فزَوروا التاريخ والجغرافية وأقصوا شعوباً وثقافات وديانات وأحرقوا المكتبات ونهبوا الثروات ومع ذلك يدعون الأصالة والتاريخ والرحمة والفتح وعمق الجذور , بينما أصحاب الأرض الأصليين هم غرباء وضيوف ومهاجرون وأجانب ويحتاجون إلى إثبات الهوية والعرق ؟.

إن الكورد لا يعانون من عقدة الهوية ولا يخجلون من تاريخهم و لا يرفضون العيش مع الآخرين حتى مع الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية ولكن على أساس المساواة واحترام الثقافات والعقائد دون تمييز وتفرقة على أساس دين أو عرق أو لون فالوطن بالنسبة للكورد هو وطن الأرض والإنسان لا وطن الطائفة والمذهب والدين , إن التلاعب بحقائق الجغرافية والتاريخ لتحقيق مآرب سياسية داخلية وإقليمية عروبية لن ينقذ أحد من العزلة والمستنقع الذين وقع فيهما , وإن استقرار البلاد لن يكون بطمس وإلغاء حقوق الآخرين ولغتهم وثقافتهم ولا تعطى هذه الحقوق كصدقة ومنة بل الاعتراف بحقوق الشعوب الأصيلة وخاصة الكورد هي الضمانة الأساسية لاستقرار البلاد وازدهارها .

Ferhan_mareeaxa@yahoo.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو تُعدّ المراجعة والنقد جزءاً طبيعياً من أي تجربة سياسية أو اجتماعية، فالنقد البنّاء لا يهدف إلى إضعاف القضايا، بل يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وتعزيز القدرة على تحقيق الأهداف. لكن في الوقت نفسه، فإن اختزال قضية شعب كاملة في أداء جهة سياسية أو حزب معيّن قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لا تعكس حجم القضية وتعقيداتها. القضية الكوردية…

عدنان بدرالدين في الحلقة الثالثة، كان اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي مدخلًا إلى سؤال أبعد من الاتفاق نفسه: هل يمكن لقوة عسكرية تملك الأرض والسلاح والمؤسسات أن تفاوض باسم شعب كامل؟ وهل يكفي أن يجلس قائد يمتلك الأمر الواقع إلى طاولة التفاوض كي يصبح ممثلًا سياسيًا لجماعة تاريخية أوسع من حزبه وقواته وإدارته؟ هذا السؤال…

أكرم حسين ليست كل الظواهر السياسية قابلة للقياس بمعايير القوة العسكرية أو النفوذ الإداري أو حجم التمثيل الحزبي. فهناك تجارب تتجاوز حدود السياسة اليومية لتغدو جزءاً من الوعي الجمعي للشعوب، وتتحول مع مرور الزمن إلى رصيد معنوي ورمزي يؤثر في تشكيل الهوية الوطنية أكثر مما تؤثرالمؤسسات الرسمية أو موازين القوة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى البارزانية بوصفها أحد أهم…

د. محمود عباس طرق أبواب حيتان الفساد في العراق ليست عملية سهلة ولا عابرة، فهي لا تعني فتح ملفات مالية فقط، بل تعني الاقتراب من بنية عميقة تشابكت فيها السلطة بالمال، والميليشيا بالحزب، والقرار الإداري بالولاء الخارجي. نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة، بل عن دولة مرّت عليها خلال عقد واحد ثروة تكفي لإعادة بناء العراق…