ما بعد الضربات الصاروخية وأفق الحل السياسي

افتتاحية جريدة المساواة
في منتصف نيسان الماضي أمطر التحالف الدوالي (أمريكا – بريطانيا –فرنسا ) سوريا بوابل من الصواريخ على اثر قرار اتخذته قيادات هذه الدول بعد اتهامها المباشر للنظام السوري في قصفه لمنطقة دوما إحدى مناطق الغوطة الشرقية وأخر معقل لفصائل مسلحة بالسلاح الكيماوي ، وجاء هذا الأمطار بالصواريخ فجراً للمطارات والمنشآت التي تستخدم في تصنيع وتطوير هذا السلاح بالإضافة إلى المراكز البحثية المتخصصة بها ، و ذلك بعد عدة أيام من تداول هذا القرار في اعلي المستويات بين هذه الدول ،وتناولته الصحافة في تقاريرها كما عرضت أنواع الصواريخ التي تستعمل وميزاتها والمراكز الذي ستستهدفها ، الأمرالذي جعل من الضربة استعراضا للقوة  و رسالة سياسية أكثر من أي شيء أخر، لروسيا أولا وإيران والنظام ثانيا ، بعد أن وجدت هذه الدول إن روسيا تجاوزت الخطوط  بتحميلها أمريكا مسؤولية تقسيم سوريا ، 
وقد أعقبت هذه الضربات سلسلة غارات جوية لسلاح الجو الإسرائيلي في أواسط أيار، استهدفت بشكل مباشر العديد من مراكز تمركز القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها،  في مناطق مختلفة دون رد فعل جدي سواء من إيران أو من  النظام ،هذه الغارات الإسرائيلية كما الضربات الصاروخية للتحالف، صحيح أنها فعلت فعلها العسكري ،لكنها جاءت أيضا كرسالة  تطالب إيران بالانسحاب من سوريا وإنها لن تبقى في أمان وبمنأى عن الضربات ،وجاءت المطالبة الروسية لإيران بالانسحاب بشكل سريع وعلني بعد ذلك .
الرسائل وصلت وتلقفها الروس والإيرانيون وغيرهم المعنيون بها ،لكن الرسالة السياسية الأخرى تلقفتها المعارضة السورية أيضا ، وان بتكابر ، وهي إن هذه الضربة لم تحقق ما كان يرتجى منها،  فلم تستهدف النظام بشكل يجبره للانصياع للشرعية الدولية ويوقفه في وضع يكون ليس أمامه سوى قبول الحل السياسي وعبر جنيف، وانه لا مفر ولا استقواء بغير ذلك،  طالما إن جنيف قد توقف منذ فترة طويلة نسبيا في هذا الوضع السوري المأساوي،  والذي كان موقف النظام وتعنته استقواء بحلفائه من الأسباب الأساسية في هذا التوقف ، وإذا لم تهدف الضربة ذلك فهذا يعني إن هناك مجالا أخر لتفاهمات وترتيبات قد تتجاوز الوضع السوري أيضا ،مما يقلق المعارضة ويجعل الشعب السوري يعيش خيبة أمل جديدة .
ومهما يكن فإن ما بعد الضربات والغارات لا يكون كما قبلها ،وان المعارك بين الأطراف المتصارعة ستنحسر بشكل كبير ،وان مناطق النفوذ التي استحوذ بوصاية اقليمية أو دولية أصبحت اكبر من منطقة نفوذ بأية تسمية كانت ، وان كانت لا تزال دون التقسيم ، وان سلطة هذه المناطق ستولد استبدادات من نوعها ، وسينعكس ذلك على الشعب السوري الذي ذاق ويذوق الأهوال ،الأمر الذي يضع المجتمع الدولي وجميع المعنيين بضرورة العمل الجاد والإسراع في إيجاد الحل السياسي المنشود في سوريا عبر تفعيل جنيف وفرض آليات نجاحه في بناء سوريا ديمقراطية تعددية علمانية بدستور توافقي يضمن حقوق الجميع الأفراد والمكونات ويكون ضمانة ديمومتها نظام فدرالي اثبت نجاعته  في مثل هذه الأزمات .
*افتتاحية جريدة المساواة العدد 512 .. الجريدة المركزية لحزب المساواة الديمقراطي الكردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…