عفرين في مفترق الطرق (2-2 )

جان كورد
 منذ إعلان الكفاح المسلح ضد الدولة التركية من قبل حزب العمال الكوردستاني وإلى يوم اختطاف واعتقال زعيمه السيد عبد الله أوجلان في كينيا، ظل الحزب يزج بآلاف الشباب الكورد في القتال ويؤهلهم بفكر الزعيم وفلسفته التي كانت تنتقد كل شيء كوردي من عقائد وتراث وسياسات وتاريخ، وبدا أنه حركة شبيهة بالماوية الصينية، حيث مسح أدمغة الأنصار كل يوم، وحيث الاستعراضات العسكرية التي تؤكّد على الوفاء للقائد والقسم على صورته إلى جانب الكلاشنيكوف، ورافق التسييس العقائدي حملات تصفية لغير المنضبطين أو غير الموافقين على قتال بني جلدتهم في اقليم جنوب كوردستان، وهناك بيانات لمنشقين في تلك المرحلة تظهر أن عدداً من الشباب الكوردي من منطقة عفرين قد تم رميهم بالرصاص بأمر من السيد جميل بايق الذي يتصدر المشهد الأهم في الحزب حالياً، ومن ثم تم رمي جثامينهم في نهر باقليم جنوب كوردستان.
 وبقدر ما ازداد عدد ضحايا الحرب والتصفيات الداخلية ارتفع عدد الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن أو بناتهن، اللواتي تم منعهن عن البكاء أو إقامة المراسيم الدينية الخاصة بدفن الموتى المسلمين واليزيديين، كما جرت العادة منذ قرونٍ طويلة في منطقة عفرين، وعلى أمهات الشهداء التأكيد في حفلات التأبين غير المعروفة من قبل، سوى في البلدان التي تحكمها أحزاب شيوعية، على أنهن مستعدات لتقديم أولادهن الآخرين جميعاً من أجل عيون القائد، ولن تجد أحداً يستطيع الخروج على هذه الثقافة الغريبة عن شعبنا، فإن مصيره سيكون غير محمود فعلاً. وهكذا تمت السيطرة على العائلة الكوردية في عفرين من خلال تسخير الأمهات والأخوات والأطفال في كل مناسبة للتمجيد بالزعيم ومعصوميته وللرقص والغناء عوضاً عن التعبير عن الحزن على الأولاد الذين سقطوا في سبيل سياسةٍ اعترف الزعيم بنفسه فيما بعد أنها كانت “خاطئة”. 
في مثل هذه الأجواء التي توضحت فيها صورة المهادنة مع الشيعة الإيرانية والطائفة العلوية الحاكمة في سوريا، فإن الحركة القومية الكوردية التي مزّقها النظام وعملاؤه شذر مذر إلى أحزابٍ عديدة، يتم تسييرها من قبل شريحة لا تخرج عن المسموح به في النضال السياسي، منذ استيلاء حافظ الأسد على الحكم في عام 1970 وتحويله سوريا إلى سجنٍ كبير، لم تجد الفرصة الكافية لإعادة بلورة وبناء ذاتها وتحسين أدائها السياسي ولملمة صفوفها التنظيمية، فخرجت منطقة جبل الكورد (عفرين) عن نفوذها، وصارت في قبضة حزب العمال الكوردستاني جملةً وتفصيلا، وإذا بالمواطنين يرتادون حفلات ومظاهرات ومجالس وتأبينات الحزب العمالي بالآلاف، طوعاً وتملقاً أو كرهاً وخوفاٌ من وشاية أو اعتداء، وتحولت المنطقة بأسرها إلى بقرةٍ حلوب تسدد للحزب العمالي ما يطلبه منها، أموالاً ودماءً، طلاباً وطالبات، بل حتى صغار السن بنيناً وبنات، في حين أن هذا الحزب لم يتمكّن من تجنيد الكورد في القرى والبلدات التي جاء منها زعماؤه، بل قائده الذي “لا حياة من دونه!”. 
واختصاراً نقول: منذ الثورة السورية التي تحولّت مع السنين الطويلة للدمار والمذابح والإرهاب والفوضى المسلحة، وإعلان حزب الاتحاد الديموقراطي (الفرع السوري للحزب الأوجلاني) عن سياسة “الخط الثالث” بين الثورة بفصائلها المتكاثرة والمتنافرة، التابعة للعديد من الدول الاقليمية مثل تركيا والعربية السعودية وقطر المدعومة من قوى دولية عظمى وبين النظام الأسدي المدعوم من قبل إيران وروسيا، كان لابد من أن يصبح مواطنو منطقة عفرين الساكنين في مدينة حلب التي تبعد 50-60 كيبومتراً عن عفرين لشتى أنواع الاعتداءات والهجمات المسلحة، بذريعة أن الحزب الأقوى بين الكورد متواطىء مع النظام، بل تابعٌ له، في حين أن الحركة السياسية الكوردية التي كانت قد توصلت فيما بين فصائلها الكبيرة إلى الإعلان عن “المجلس الوطني الكوردي” مالت إلى المعارضة السورية، ومن ثم ركبت قطار تحالفاتها ووقعت مع الأيام في دائرة الرعاية المباشرة لحكومة أنقره في ظل العلاقات الحميمة بين الحزب الحاكم في تركيا (حزب العدالة والتنمية) الذي يرأسه السيد رجب طيب أردوغان وبين الإخوان المسلمين السوريين الذين وجدوا في أنقرة حليفاً عقيدياً وداعماً استراتيجياً، من دون تفحّص النوايا الأساسية والأهداف البعيدة للحكومة التركية من وراء دعم المعارضة السورية أصلاً، وقد تبيّن مع الأيام، ومنذ احتلال القوات التركية والتنظيمات السورية المسلحة المأتمرة بأمرها منطقة جرابلس وجبل الكورد، بعد 58 يوماً من مقاومة كوردية شرسة وغير متكافئة بالعدد والعدة، أن السبب الرئيسي لتركيا هو “منع قيام أي كيان كوردي، حتى ولو في شكل حكم ذاتي على حدودها الجنوبية الطويلة مع سوريا، وبخاصة عندما قرر الأمريكان إقامة شريط حدودي محروس بآلاف المقاتلين كورداً وعرباً ومن الأقليات السورية المنتظم أولادها في صفوف “قسد” المدعومة عسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا بيت القصيد:
الحكومة التركية تحارب وستحارب كل مسعى كوردي للحصول على حقوق قومية في سوريا لأن ذلك سيؤثر مباشرة في الداخل التركي، حيث يعيش في شمال كوردستان أكثر من 25 مليون كوردي، والمنظمات الإرهابية وما يسمى بالجيش السوري الحر الذي لا يعترف كبار قادته حتى بالوجود القومي الكوردي لايسألون أنفسهم لماذا لا يحق للأمة الكوردية أن تتوحّد وهي مقسمة بموجب اتفاقية استعمارية، وتقاتل في ظل العلم التركي الذي لايخفي حاملوه نواياهم وأهدافهم، بل يسعون للتغيير الديموغرافي في منطقة ضمن الخريطة السورية، وكأن هذا الجبل في نيكاراغوا وليس في سوريا التي يزعم الجيش الحر أنه انشق عن جيش النظام من أجل حرية وكرامة شعبه. فهل الكورد مستثنون من هذا الاهتمام المزعوم لأنهم من غير القومية العربية؟ فالوثائق من صورٍ وفيديوهات تظهر إلى أي حدٍ تصرّف منتسبو هذا الجيش التابع للجيش التركي (المحمدجيك: التابع لحلف النيتو)، تصرفاً عدوانياً بسلبٍ ونهب وارهابٍ ضد المواطنين الكورد، فهل هذه هي الحرية المأمولة أيها السوريون!!
تظهر منطقة جبل الكورد وكأنها بيعت لتركيا مثل لواء اسكندرون سابقاً، بموافقة سوريين وفي طليعتهم الإخوان المسلمين، فالساكت عن الحق …؟؟؟ بعد مسلسل وفقرات السياسة الفاشلة الخاطئة لحزب العمال الكوردستاني/ عدو الامبريالية المطيع حالياً، بدءاً بظهوره كحزب ثوري في المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى الحملات المنهجية للتغيير الديموغرافي للسكان فيها بجلب الغرباء عنها وتوطينهم وانتزاع ملكيات ومنازل وممتلكات الكورد منهم، وممارسة سياسةٍ شنيعة ضد العازمين على العودة إلى منطقتهم، بعد أن هربوا منها بسبب الهجمات العسكرية الرهيبة، كما تظهر أن المدافعين عنها قبل اقتحام مدينة عفرين لا يختلفون عما يسمى بالجيش السوري الحر بصدد المعاملة السيئة مع المواطنين الكورد، في حين أن المجلس الوطني الكوردي، سواءً أكان متفقاً مع حلفائه في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية أم غير متفقٍ معهم، قد فقد بريقه ولباقته السياسية، وبدا أنه “عاطلٌ عن العمل” في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ هذه المنطقة.
وعليه، فإن (عفرين على مفترق طرق) بين استرداد هويتها القومية وإبعاد المستوطين بالقسر عن أراضيها وقراها وبلداتها وإنعاش ثقافتها القومية ولغتها وتجديد حياتها السياسية والحزبية المسالمةالتي كانت قبل وجود حزب الزعيم أوجلان قائمة على التفاهم والتواصل والاختلاف في الرأي والتلاحم العضوي بين مكوناته العقيدية، وكانت الحركة السياسية القومية والأممية في سجالاتٍ  سياسية وحوارات مباشرة، في أجواء الاحترام والاعتراف المتبادل، أو أن المنطقة صارت لقمةً سائغة لمن أراد الإثراء والتملك على حساب هذا الشعب الذي كافح من أجل منطقته الجميلة عبر العصور.  وهنا، لا بد لأهلنا أن يصبروا على الشدائد وعلى هذه المحنة، مثلما صبروا عبر التاريخ الطويل، ويبتعدوا عن العنف والصراعات المسلحة، وليعلموا أن المجتمع الدولي يرصد كل شيء يومياً، وأن هناك شرائح كوردية على اتصال مع سائر المنظمات والحكومات المهتمة بسوريا وبكوردستان، ولذا فلنبدأ جميعاً بربط خيولنا الحزبية خارج الساحة ولنقم جميعاً، يداً بيد ودون تردد أو تأخّر ل”العمل الشاق والمتواصل من أجل عفرين على كافة الصعد وفي كل مكان” وإن الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه”.  
 ‏08‏ أيار‏، 2018

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…