الوجه الكُردي لتركيا

 ابراهيم محمود
من خلال كتابات الذين تعرضوا ومازالوا يتعرضون للقضية الكردية في تركيا، أو مدى حضور الكرد في الإعلام التركي الرسمي قبل كل شيء، يظهر أن هناك استغراباً مما يجري بصدد السياسة التركية من الكرد عموماً، ومن الكرد في تركيا خصوصاً، وهذا يترجم، بأكثر من معنى، عدم رؤية الثقل النوعي للكرد وخطورتهم فيها. فالكرد لم يغيبوا أبداً عن الساحة الإعلامية التركية وأرشيفها السياسي، ولا عن كتابات كبار كتّابها ومنظّريها. وما نتلمسه اليوم من تكثيف إعلامي بطابعه المحموم، وربما الهستيري وتركيزه على الكرد، يسمّي حقيقة واحدة، وهي أنه من المستحيل تجاهل حضورهم، وأن تركيا لن تعرف السكينة دون الالتفاتة الحقيقية إلى مشكلتهم: قضيتهم، وإبراز الوجه الكردي الفعلي في تاريخها الحديث والمعاصر !
في وسع المتابع للمفردة الأكثر تداولاً في الشارع التركي، والاستخفاف الإعلامي التركي بالكرد، وكيف يجري اختزالهم، ومن ثم تعظيم صورة التركي وتفخيمها، وهي حديثة العهد جداً، أعني بها مفردة : الكردي ثم الكردي ثم الكردي.
هنا، يجدر بالباحث الحصيف أن يمضي بالصورة المعروضة والمفبركة، وخطاب الشارع التركي، ومؤسسته ونوعيتها، وكيف تدار الأمور  في نطاق الدولة التركيا وعلى تخومها ” الرسمية ” وخارجها، إلى ما وراءها، والتدقيق في المؤثرات التي تبقي حرارة الساسة الأتراك مرتفعة، وضغطهم مرتفعاً، كما في حال رئيس الجمهورية، والحكومة، ووزير الخارجية وخلافهم، وعلامة الغطرسة والعنجهية والمكابرة الحلباتية، إلى جانب نبرة الخطاب السياسي الرسمي الدالة على حالة عقدة العظمة” البارانويا ” لدى أولئك بالصوت والصورة، بدءاً من رئيس الجمهورية طبعاً، وبصورة رئيسة، كما تقدَّم، ليقف على حقيقة مروعة وهي الخوف من ” التسونامي الكردي “، حتى في أكثر حالات الحضور الكردي ضعفاً، إذ إن إسكات الكردي، لا يعني إنهاءه، إذ إن دحر الكردي في نقطة مجابهة معينة، أو  استحداث المزيد من السجون والمعتقلات، وأماكن الإقامة الجبرية لساسة كرد، ومعنيين بالشأن الكردي: مثقفين ونشطاء كرداً، على حساب أي وعد بالانفتاح على الخارج، ومشاريع التنمية، والديمقراطية، لا يعني البتة، كما هي المرئي أو المحسوس في الممارسات السياسية والثقافية والأمنية التركية، أن هناك ميلاً إلى الهدوء، وتخلصاً من نتلك المشاكل المؤرقة والمقلقة لأكثر الجهات التركية حرصاً على الأمن التركي وسمعة تركيا و” هيبتها “.
ربما كانت تركيا فيما هي عليه منذ بروز الورقة الرابحة واللعينة للاتحاد والترقي، حيث سقطت الخلافة العثمانية، وكانت الدولة التركية الوليد المصاب باللوخيميا ” سرطان الدم ” الذي لم يتوقف، وأن استنزاف الدماء الكردية بغية إبقاء الجسد التركي الوليد والأكثر من مريض مزمن، إلى هذه اللحظة، وسوقية الخطاب على أعلى مستوى، وعلى مدار الساعة، تأكيداً آخر على أن هناك عاهة مستدامة في العقل السياسي التركي، كون الاسم ” تركيا ” في السجل الديموغرافي الرسمي للدولة الحديثة، دون غيره، لم يكن فأل خير، وأن هذه العاهة أصابت الذاكرة السياسية التركية، ومنعتها، ولم تزل من رؤية حجمها وخطورتها والقيح المتشكل فيها أخلاقياً. حيث يسهل اعتبار كل حالات التعبئة الإيديولوجية التركية الطابع وبإمضاءة من أتاتورك عرّاب الخراب التركي، والعبارة المفخخة والمردَّدة صباح مساء عبر عسكرة المجتمع إجمالاً” طوبى لمن يقول عنه أنه تركي “، لا تعدو أن تكون تعبيراً عن عدم القدرة على رؤية الوجه الفعلي لهذه الـ” تركيا “، إنما هو الوجه الكردي الذي أنّى التفت السياسي التركي من الهرم إلى القاعدة، وحتى بالنسبة لرجل الشارع العادي، وتلك الحِزَم من التابوات التي تحظّر التعامل مع كل ما هو كردي واقعاً، يكون موجوداً، لكأن ليس هناك من وجه تركي، إلا بإعمال لغة التسفيه والتشويه والتعتيم في الكردي ووجهه التاريخي والجغرافي. إذ إن الحديث المستمر عن أي كان، والتهوين من مكانته، يعني العكس، بحيث إن أعمال الصيانة السياسية بلغة الإعلام المرَضية، واللون الوحيد لها، والترميم المستحدث باعتماد رتوشات فاقعة لجدار مجتمع مهرور من الداخل، تعني المزيد من النخر الذاتي، وما يعنيه ذلك من الميل الانحداري لهذا المسار السياسي القائم على أكاذيب السياسة والتهجين الإيديولوجي ومفرقعات القوة الخلبية، حيث الإيحاء إلى أن كل شيء بسلام، وأن ليس هناك من مشكلة تستدعي الخوف أو التخوف منها.
ربما الأيام القادمة، وكما هو المعايَن في الشارع السياسي التركي اليوم، ستكشف عن كيفية حصور الانهيار المريع في جبل ” الدولة ” التركي الثلجي في ظل تصاعد حرارة التاريخ وشمس حقيقته المحرقة.
لعله الوجه الكردي الذي لم تفلح كل أقنعة سياسات الحكومات التركية المتعاقبة في إخفائه أو الخلود إلى الراحة في أي مناسبة أو لحظة، دون احتساب وطأة الكوابيس التي تتكلم الكردية أماً وأباً .
دهوك- في 4-5/ 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…