سوبر (كوردي) مان

د. ولات ح محمد
    ثمة من الكورد مَن إذا تحدث عن قضيته أخذته الحميّة والحماسة وحلقت به الأحلام عالياً حتى يصور له خيالُه أن الكوردي قادر على أن يفعل كل ما يريد رغماً عن أنوف العالم، غير أنه (كما يظن) يحتاج فقط إلى قادة حكماء ومخلصين وأذكياء يرى أنهم غير موجودين، ويرى أنه لو كان القياد بيده هو لفعل ما عجز عنه الآخرون. ولا ينسى بطبيعة الحال أن يقدم للقادة وللناس عموماً بعض النصائح والإرشادات الأولية التي لو أخذوا بها (حسب رأيه) لأقاموا كوردستان وتركوا العالم قريبه وبعيده يتفرج على معجزتهم.
    ظهرت هذه الفئة (كثيرهم من الكتاب وقليلهم من السياسيين) على نطاق أوسع وأوضح بعد سقوط كركوك في يد القوات العراقية وميليشيات الحشد في 16 تشرين الأول الماضي. ذلك الحدث الذي فتح شهية أولئك الناصحين المنظرين على تقديم نقودهم لقيادة الإقليم على أسموه “سوء تصرفها وخطأ حساباتها” إلى جانب تقديم رؤاهم ونظرياتهم البديلة التي تظهر تفوقهم على تلك القيادة حنكة وخبرة وحرصاً وإخلاصاً. تلك النظريات التي يفترضون فيها أن تلك القيادة كان عليها أن تدير شؤون الاستقلال وفقها لا كما تصرفت هي وقاد تصرفها إلى ما يرونه “الفشل الذريع”.
    أبرز تلك الانتقادات التي وجهتها هذه الفئة “الحكيمة” لقيادة الإقليم “الغشيمة” حسب رأيها هو تحالفها مع دول الغرب وخصوصاً أمريكا وثقتها بها، وكذلك علاقاتها مع حكومات دول الجوار التي لا تريد للكورد خيراً. وقد رددت في هذا السياق بعض الجمل والتساؤلات بوصفها مآخذ على قرار قيادة الإقليم إجراء الاستفتاء من قبيل: 
ـ كيف لقيادة الإقليم أن تفكر في قيام دولة كوردية أو نجاحها وهي محاصرة (مخنوقة) بأنظمة أربعة لا تسمح لها بأن تتنفس؟.
ـ كيف للكوردي أن ينجح في أية خطوة وهو على علاقة بواحد من الأنظمة الأربعة التي تقتسم كوردستان وتعادي حقوق الكورد؟.
ـ كيف للكورد أن ينجحوا وهم يعتمدون في مشروعهم على أمريكا أو روسيا التي يمكن أن تغدر بهم وتبيعهم في أية لحظة لتحقيق مصالحها أو مصالح حلفائها الذين هم أعداء للكورد؟.
ـ لماذا وثقت قيادة الإقليم بكل تلك الأطراف متناسية كل تجارب الغدر السابقة؟.
    نظرياً ومن حيث المبدأ كل الأسئلة السابقة مشروعة؛ فتجارب الكورد ليست جيدة مع الدول البعيدة ومستحيلة النجاح مع الدول المجاورة، ولكن أيضاً هناك سؤال كبير ومشروع ينهض في وجه أصحاب الأسئلة والانتقادات السابقة، وهو: 
    إذا كان الكوردي من جهة محاصراً بأنظمة معادية له ولحقه، وإذا كانت العلاقة مع أي منها (حسب رأيكم) خطأ جسيم أو خيانة، لأن هذه الأنظمة لن تسمح للكوردي بالتقدم أبداً وستغدر به وتتفق عليه في أية لحظة تجدها حاسمة لقضيته. وإذا كان الاعتماد ـ من جهة ثانية ـ على أية دولة غربية (أمريكا أو غيرها) ضرب من الغباء والسذاجة (حسب رأيكم) لأن تلك الدول ستتخلى عنه (كما حصل في تجارب سابقة) من أجل مصالحها أو مصالح حلفائها في المنطقة وسيدفع الثمن في النهاية. وإذا كان كل كوردي يتعامل مع المجموعة الأولى (الدول الإقليمية) هو إما غبي أو عميل أو كلاهما حسب رأيكم، وكل من يتحالف مع المجموعة الثانية (الدول الغربية) هو بسيط وساذج ومخدوع بسهولة كما تقولون، فهل يمكنكم أنتم أصحاب هذه الطروحات والانتقادات الذكية أن تجيبوا عن أسئلة الجمهور البسيط المسكين الذي حيرتموه وضيعتموه لأنه يريد أن يستفيد من علمكم وحكمتكم ويعرف منكم سواء السبيل؟. أما أسئلته فهي:  
ـ إذا كان الكورد محاصرين بأنظمة معادية لحقوقهم (وهو موقف لن يتغير) فهل عليهم السكوت والاستسلام أم التحرك والمحاولة؟.
ـ إذا كان الكورد محاصرين بأنظمة معادية لحقوقهم فهل يمكن لأية حركة كوردية أن تعادي كل تلك الأنظمة في الوقت نفسه وتقطع العلاقات معها جميعاً وتبقى قادرة على التنفس؟.
ـ هل يمكن للكوردي أن يعمل دائراً ظهره لكل الدول الغربية وينجح؟.
ـ بما أن الأمر لن يتم من دون مساعدة أطراف أخرى، ما هي الجهات الفاعلة التي على الكورد التحالف معها حسب رأيكم الموقر وتكون قادرة على مساعدتهم لإنجاح مساعيهم دون أن يتعرضوا للخديعة والبازار والمساومة في النهاية؟. ما هي الخيارات أمام الكورد التي لم يلجؤوا إليها حسب نظريتكم العصماء؟.
ـ كيف يمكن للكوردي أن يعمل حتى يحصل على حقوقه دون أن يتعامل مع كل تلك الدول القريبة والبعيدة؟.
ـ هل الكوردي الذي في أذهانكم (القادر على كل هذا) هو كوردي طبيعي، إنسي من لحم ودم، نعرفه ونلتقي به ونعرف واقعه الجغرافي والسياسي ونعرف أعداءه وخصومه الذين لهم دول وحدود تحاصره، أم أنه سوبر (كوردي) مان وقادر على صنع المعجزات والطيران بأجنحته الأسطورية عبر الحدود دون أن يبرز جواز سفره لمنافذ الأنظمة المعادية؟ هل هو كوردي بحاجة إلى مساعدة الدول العظمى ومضطر إليها أم أنه قادر على إحقاق حقوقه وحده دون معين؟.
ـ وأخيراً، هذا الذي ترون أنه قادر على أن يفعل كل ذلك هل هو كوردي موجود فعلاً على أرض الواقع ويعيش بين البشر، أم أنه غير موجود إلا في تنظيراتكم وكلماتكم، وأنكم وحدكم تعرفونه، لأنه للأذكياء فقط ؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…