البيشمركة ثقافة الجبال التي لا تركع

كاوين عبدي
البيشمركة هي تلك الجبال البشرية التي تتحدى الموت على الحق و المبدأ و القضية و الوطن ، لو درسنا تاريخ الشرق الأوسط بتمعن من باب الحرب وفقا لدراسات المفكر “موريار” لوجدنا ان البيشمركة فريدة من نوعها على كل الجيوش و القوات التي مرت و مازالت في المنطقة.
الجانب الثقافي: لو دققنا جيدا في ثقافة التسامح و الإنسانية و الرحمة و العفو التي يمتاز بها البيشمركة لإستنبطنا أن كل هذا فقط عبارة عن ناتج خام من تاريخ الشعب الكوردي و تراكماته الأخلاقية العالية عبر الزمن ، إذ من البديهي ملاحظة أن بيشمركة واحد بمثابة مرآة ثقافية لشعب كامل ، إن كان هذا يدل على شيء فإنه يدل على أن البيشمركة يبقى ذلك الجبل إينما حل و إرتحل.
الجانب الإجتماعي: كفكرة شمولية بالٱعتماد على دراسات سيوسولوجية تؤكد بأن الشعب الكوردي شعب مسالم ومتفتح و متحرر لهذا فالبيشمركة حافظوا على هذه الخصال كونهم لم يحاربوا في يوم من الأيام لإرادتهم بل فرضت الحروب عليهم ، زيادة إلى انهم لم يحاربوا ابدا من باب الدين أو الطائفة أو الإديولوجية بل للقضية و الوطن ، كما أن صفوف البيشمركة تبقى هي القوة الوحيدة في المنطقة التي تضم كل الأديان و الطوائف و الألوان دون اي نزعة و تعصب لطرف على طرف ، بل الكل يعمل تحت راية الوطن و العلم الكوردستاني.
الجانب النفسي: الكورد هو الشعب الذي لا يعرف معنى الحقد الدفين ، ذاكرتهم ضعيفة بخصوص الحقد و الكراهية ، لهذا نرى البيشمركة أكثر تسامحا و عفوا على الأعداء بالرغم مما عانوه منهم ، لم يقتل البيشمركة أبدا خارج نطاق المعركة ، كما يحترمون القتلى و الجرحى و الأسرى ، لم يذكر تاريخ البيشمركة أنهم دبحوا اسيرا او مثلوا بجثة أو إغتصبوا إمرأة ، البيشمركة يملكون قلبا يجمع كل الأديان من منظورها السليم و الرحيم.
الجانب الأخلاقي: لو كانت الجيوش الإسلامية تملك اخلاق البيشمركة لما كان العالم في هذا المأزق ، علما أن أخلاق البيشمركة هي جزء لا يتجزأ من أخلاقيات الشعب الكوردي المتوارثة ، إعترف بهم الأعداء قبل الأصدقاء في حفاظهم على شرف الشعب العراقي بكل قومياته بالأخص ضد داعش كأكبر دليل ، شهادات بالجملة تفيد علو كعب أخلاقهم و رقي قيمهم التي ورثوها من تاريخ أجدادهم.
الجانب الإقتصادي: الشعب الكوردي يحب الحياة و البساطة و الطبيعة ، كما انه شعب متواضع على الرغم من مكانته و إمكانياته ،هذا ما يلاحظ في أمر البيشمركة على أنهم لا يحاربون من اجل المال ،بل حبا في القضية و الوطن و إيمانا بهما ،فلو قارنا راتب البيشمركة الفرد مع راتب السياسي لخجل الثرثارون من أنفسهم ،كما أن البيشمركة كرماء جدا أكثر من الشعب نفسه بخصوص العطاء و الجود بغض النظر على منحهم لنا أرواحهم قربانا للوطن و الشعب.
الجانب العقائدي: الشعب الكوردي علماني بالفطرة يتقبل كل الأديان و الأطراف ،أقوى عقيدة تفرض وجودها على الكورد هي “حب الوطن” ،لو تأملنا جيدا البيشمركة إلى اي درجة يحبون و يعشقون الوطن و المقدسات الوطنية لتأكدنا أنه من شب على شيء شاب عليه و العكس صحيح ،في كل قلب بيشمركة يوجد وطن كوردستان محرر ،متعطشين للموت في سبيله بدون ادنى تفكير ،كما أن هذا العشق لا ينتهي أبدا عند شهادة الشهيد ،بل يدرس كعقيدة ربانية مقدسة لعائلة الشهيد و أبنائه و للشعب ،بهكذا عجز الأعداء في النيل من إرادة الكورد.
الجانب الفكري: شعب كوردستان يهوى الفكر و الشعر و الكتابة و التحليل و القراءة و الرسم ،ينطبق هذا على البيشمركة كليا إذ تجدهم يكتبون و يرسمون و ينظمون الشعر و يقرؤون و يناقشون في كل المواضيع الحياتية و الواقع ،حتى في جبهات القتال لا يتوانون في ممارسة ميولهم الفكري و مقارعة أفكارهم مع بعضهم ،مثقفون من طراز عال ،أذكياء يجيدون كل شيء بإستثناء الخيانة.
الجانب الفني: كم جميل شعب كوردستان عندما يرقص و يغني و يعزف و ينقر على آلة موسيقى “الماندولين” ،موسيقاهم دائما مقرونة بألوان الطبيعة الجميلة خصوصا الأحمر و الأخضر و الأصفر و الأبيض و الأزرق كألوان لها علاقة بتاريخهم و وجدانهم الداخلي ،هذا لا يخفى أبدا في الفسحات الفنية عند البيشمركة في الخنادق و الجبهات و على الستار الأمامي للمعارك دون أن ينقطعوا على رقصاتهم و أغانيهم القومية و الوطنية و أنشودات الشهيد و الغزل و الحب ،البيشمركة قوة تجمع من كل فن طرب رغم الظروف و الصعاب.
فقط كل هذا لأبرهن و أتوسع شيئا ما في علاقة التاريخ بالإنسان من باب نظرة “موريار” ،بٱعتباره مؤسس  المنهج النفسي للمجتمعات الثورية التي تنامت في جو الحروب ،منه يتضح أن البيشمركة قطعة طبق الأصل من تاريخ كوردستان و شعبها في كل مجالات الحياة الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية و الفنية و الثقافية…حقا هم جبال لا تعرف معنى الركوع إلا للوطن.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…